كشفت وثائق أُفرج عنها مؤخرا، عقب دعوى أقامتها صحيفة «نيويورك تايمز»، تفاصيل جديدة عن إتلاف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تسجيلات لاستجواب معتقلين في سجن سري خارج الولايات المتحدة عام 2005. وتُظهر ملاحظات مقابلات أجراها مكتب التحقيقات الفدرالي أن مسؤولا سابقا في الوكالة، كان يشرف على أحد مراكزها، سعى إلى تدمير الأشرطة التي وثّقت تعذيب معتقلين متهمين بالإرهاب.
وبحسب الصحيفة، قال المسؤول لاحقا لمكتب التحقيقات الفدرالي إنه لم يرغب في ترك «فوضى» لمن سيخلفه، وإنه كان يعمل على تسوية أمور عالقة. وتبدو تايلند مكان عمله آنذاك، لكن الوثائق تحجب اسمه ومكان وجوده. وترد شهادته ضمن 38 صفحة من ملاحظات المقابلات التي حصلت عليها الصحيفة بموجب دعوى استندت إلى قانون حرية المعلومات الأمريكي، وهو القانون الذي يتيح طلب سجلات من الجهات الحكومية.
عندما انكشف إتلاف الأشرطة عام 2007، فتحت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ووزارة العدل تحقيقين في الواقعة، توسعا لاحقا ليشملا برنامج الاستجواب الذي اعتمدته إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وكانت الوكالة قد أتلفت التسجيلات عام 2005، رغم أن لجنة التحقيق في الهجمات وإحدى المحاكم طلبتا أدلة تتعلق بجلسات الاستجواب. وقال مسؤولون في الوكالة لاحقا إنهم خشوا أن تُنشر الأشرطة، مما قد يعرّض موظفيها الذين ظهرت وجوههم فيها للخطر.
وتضمنت الوثائق مقابلة مع ستيفن آر كابس، النائب السابق لمدير الوكالة، قال فيها إن قياداتها أرادت تدمير الأشرطة لأسباب «سياسية»، وإنهم لم يتذكروا نقاشات تشير إلى أن تدميرها كان غير قانوني. وأظهرت مقابلة أخرى استغراب بعض مسؤولي الوكالة من تصوير جلسات التعذيب أصلا؛ إذ تساءل مسؤول حُجب اسمه عما إذا كان الهدف أن يتأكد المسؤولون التنفيذيون من أن العاملين ينفذون الأمر على النحو المطلوب.
أنشأت إدارة بوش سرا البرنامج الذي سمّته «الاستجواب المعزز» للتعامل مع معتقلين وصفتهم بأنهم «عاليـو القيمة» في سجون سرية خارج البلاد. وشملت الأساليب المستخدمة الإيهام بالغرق، وتقييد المعتقلين في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، وتجريدهم من الملابس، ورشهم بالماء، وضرب أجسادهم بالجدران، وحبسهم في صناديق صغيرة.
وكانت مذكرة سرية من مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل قد اعتبرت هذه الأساليب قانونية، بناء على تفسير واسع ومثير للجدل لصلاحيات الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وذهبت المذكرة إلى أن الرئيس يستطيع تجاوز القوانين والمعاهدات التي تحظر التعذيب. وتشير السجلات إلى أن مسؤولا في الوكالة، حُجبت هويته، أخبر مكتب التحقيقات الفدرالي بأنه ناقش المذكرة مع 2 من محامي الوكالة ورأى أن رأيها القانوني «مقنع».
سُحبت المذكرة لاحقا. وخلص كل من المفتش العام للوكالة ومجلس الشيوخ إلى أنها تجاوزت الأساليب التي أُجيزت لها؛ فقد استخدمت الإيهام بالغرق بعنف أكبر مما أبلغت به وزارة العدل، ولجأت إلى أساليب أخرى، منها التغذية القسرية عبر المستقيم. ثم أغلقت الوكالة البرنامج ونقلت المعتقلين المتبقين من سجونها السرية، المعروفة باسم «المواقع السوداء»، إلى سجن غوانتانامو العسكري في كوبا.
وأثّرت معاملة المعتقلين خلال احتجازهم لدى الوكالة في محاولات محاكمة بعضهم أمام لجنة عسكرية، ومن بينهم متهمون بالمشاركة في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر؛ إذ أبطل قاض عسكري اعترافاتهم لاعتباره أنها انتُزعت تحت الإكراه.
في عام 2008، كلّف مايكل موكاسي، آخر وزير عدل في إدارة بوش، المدعي العام جون إتش دورهام بالتحقيق في إتلاف التسجيلات. ووسّع إريك هولدر، أول وزير عدل في عهد الرئيس باراك أوباما، مهمة دورهام عام 2009 لتشمل البحث في احتمال مخالفة الوكالة القانون بتجاوز الأساليب التي وافقت عليها وزارة العدل في المذكرة التي سُحبت لاحقا. وأعلنت الوزارة عام 2010 أن دورهام قرر عدم توجيه اتهامات في قضية الأشرطة، ثم قالت عام 2012 إنه لن تُوجّه اتهامات بشأن معاملة المعتقلين، بما في ذلك قضية سجينين توفيا أثناء احتجازهما لدى الوكالة.
كانت «نيويورك تايمز» قد رفعت دعوى عام 2014 للكشف عن تقارير دورهام وسجلات مقابلات مكتب التحقيقات الفدرالي، لكنها لم تنجح. وبعد تعديل الكونغرس معايير الإفصاح بموجب قانون حرية المعلومات عام 2016، رفعت دعوى جديدة عام 2022. وقضى القاضي جيمس إي بواسبيرغ، من المحكمة الفدرالية الجزئية لمقاطعة كولومبيا، عام 2024 بإمكان استمرار حجب تقارير دورهام بعد اطلاعه عليها بصورة خاصة. لكن الدعوى دفعت الحكومة إلى بدء نشر نسخ من سجلات المقابلات مع حجب أجزاء منها.
وبلغ حجم الدفعة الأولى نحو 100 صفحة، حُجبت 60 منها بالكامل، فيما حُذفت أجزاء كثيرة من الصفحات المنشورة. ومن المفترض أن تقدم الحكومة دفعات إضافية شهريا. ووفقا للصحيفة، يُتوقع الإفراج عن معظم المجموعة الأكبر، البالغة نحو 1900 صفحة من تقارير المقابلات، خلال الأشهر المقبلة، لكن حجم المعلومات التي ستتاح للجمهور لا يزال غير واضح. وقالت إن إدارات متعاقبة من الحزبين سعت لسنوات إلى إبقاء هذه السجلات سرية.
وقد توفر المقابلات، بحسب الصحيفة، روايات للبرنامج على لسان المشاركين فيه من الوكالة. أما التوثيق الأكثر تفصيلا المتاح حتى الآن فهو ملخص تنفيذي من 525 صفحة لدراسة أجرتها لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، اعتمد على وثائق رسمية، بينما لا تزال بقية الدراسة سرية. وقالت الصحيفة إن مدافعين عن الوكالة شككوا في هذا التوثيق لأن فريق اللجنة لم يُجر مقابلات شخصية. ويرى دانييل جونز، كبير المحققين في دراسة اللجنة، أن نشر السجلات مهم للإجابة عن أسئلة لا تزال مفتوحة بشأن ما توصل إليه تحقيق دورهام وسبب إغلاقه.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!