وصل قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد على رأس وفد عسكري وأمني رفيع في زيارة مفاجئة، عقد خلالها لقاءات مع قادة الإطار التنسيقي وزعماء فصائل مسلحة، بينهم زعيم منظمة بدر هادي العامري. وقال مصدر عراقي إن المحادثات تناولت مصير سلاح الفصائل وإمكان فتح ممر لتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، في وقت تباينت فيه تقديرات محللين بشأن أهداف الزيارة ومستقبل النفوذ الإيراني في العراق.
وقال السياسي العراقي غانم العابد إن الفصائل المسلحة توصلت خلال الأيام الـ30 الماضية إلى اتفاق مع العراق لتسليم أسلحتها، لكنه أشار إلى أن التسليم سيشمل الدبابات والمدافع، فيما ستحتفظ الفصائل بالطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، سواء كانت مصنّعة محلياً أو موردة من إيران.
واعتبر العابد أن هذه الخطوة تمت بموافقة إيرانية، قائلاً إن حاجة طهران الاقتصادية إلى العراق أصبحت أكبر من حاجتها إلى المقاتلين. وأضاف أن إيران أنشأت، وفق تقديره، بديلاً عن الفصائل الكبرى عبر مجموعات صغيرة تضم 4 أو 5 أفراد وقادرة على تنفيذ استهدافات نوعية من دون تعبئة واسعة.
ورأى أن النفوذ الإيراني يمتد في العراق إلى مسارات سياسية وعشائرية وتجارية، وليس إلى الفصائل المسلحة وحدها، ما يعني أن طهران لا تحتاج إلى إبقاء صورة المواجهة المباشرة مع واشنطن مرتبطة بالفصائل المعروفة. وحدد العابد 3 استحقاقات ينبغي إنجازها بحلول 30 سبتمبر، هي تسليم السلاح للدولة، وخروج التحالف الدولي من العراق، وتوحيد قوات البيشمركة المنقسمة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
في المقابل، استبعد وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف تخلي إيران عن فصائلها، على أساس أن طهران تنظر إليها بوصفها «مصدات متقدمة» تحول دون استهدافها المباشر. واستند إلى ما نقله عن مستشار للرئيس الإيراني في مقال بصحيفة «الشرق الأوسط»، شبّه فيه قتال إيران للقوى الأجنبية على تخوم دمشق ومدن عربية أخرى بقتال العراق لقوات التحالف على تخوم بغداد.
وأشار النصف إلى ما وصفه بمكاسب مالية غير مشروعة مرتبطة بهذا التدخل، من بينها ملف الكبتاغون و«الاقتصاد الخفي». واعتبر أن زيارة قائد فيلق القدس إلى فصائل عراقية لا تتوافق، وفق رؤيته، مع علاقات يفترض أن تجري بين رؤساء الدول والحكومات أو وزراء الخارجية، وقال إن ذلك يمس السيادة العراقية.
ووصف النصف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بأنه «تاريخي»، معتبراً أن قراره المرتبط باستحقاق سبتمبر يقوض دور الفصائل بعد تراجع، بحسب تقديره، مبرري تسليحها المتمثلين في تنظيم داعش والوجود الأميركي. كما حذر من أن عودة محسن رضائي إلى الواجهة الإيرانية قد تعيد نهج التشدد الذي أدى، وفق قوله، إلى إطالة الحرب العراقية الإيرانية حتى عام 1988.
أما الأكاديمي والباحث حكم أمهز، فرأى أن وجود شخصيات عسكرية وأمنية في مواقع من هذا النوع أمر منطقي، لكنه قال إنه لا يمكن التكهن بما ستقرره القيادة العسكرية الإيرانية. ونفى بصورة قاطعة وجود صلة لإيران بملف الكبتاغون، واصفاً الاتهامات في هذا الشأن بأنها «دعاية».
وقال أمهز إن النفوذ الأميركي في العراق حاضر أيضاً، مستشهداً برفض واشنطن ترشيح نوري المالكي وفرضها شخصية بديلة تولت رئاسة الوزراء، وبما قال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلنه عن دوره في وصول ذلك الرئيس إلى المنصب. وأضاف أن واشنطن هددت باتخاذ إجراءات اقتصادية ومالية، وأن هذا الأمر ليس مجرد طرح إعلامي.
ورأى أمهز أن إيران تميل عادة إلى ترك القرار لحلفائها المحليين، لكنها تدير هذا الملف مع مراعاة التوازنات، انطلاقاً من أن أمنها مرتبط بأمن دول الجوار. وأضاف أن تصدير النفط العراقي والجماعات الانفصالية في كردستان، في ظل تهديدات أميركية وتقارير عن إرسال واشنطن أسلحة إلى تلك الجماعات، من الملفات المطروحة بين بغداد وطهران. ولفت إلى أن وسائل الإعلام الإيرانية لم تتناول زيارة قاآني، وأن مصادر أخرى كشفت تفاصيلها.
من جهته، قال الباحث بول سالم إن الجمهورية الإسلامية، وفق تقييمه المستند إلى تجربته في لبنان، لا تحترم سيادة الدول والقانون الدولي، وتحتفظ بميليشيات مرتبطة بها مباشرة في لبنان والعراق واليمن ودول أخرى. وروى أنه سأل مسؤولين إيرانيين مقربين من النظام، خلال لقاءات في برلين، عن سبب إنشاء جيوش وميليشيات موازية، فردوا عليه، بحسب روايته، بأنهم «إمبراطورية» يفكرون بعقلية إمبراطورية عمرها 3 آلاف عام.
ووصف سالم استمرار زيارات مسؤولين إيرانيين إلى الفصائل المسلحة في العراق بأنه «منتهى الوقاحة»، مشيراً إلى تشابه الوضعين في العراق ولبنان، حيث يحاول رئيسا حكومتي البلدين استعادة هيبة الدولة بعد أزمات متراكمة. واعتبر أن السياسة الإيرانية خلال 4 عقود لم تحقق ردعاً فعلياً لإسرائيل أو الولايات المتحدة، بينما تحملت شعوب لبنان واليمن والعراق، وفق رؤيته، كلفة التهجير والدمار. ودعا إلى علاقة متكافئة مع طهران تقوم على مبدأ «دولة لدولة، لا دولة لميليشيا».
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!