أعاد الاتحاد الأفريقي تشغيل مكتب اتصاله في الخرطوم، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضوره ومتابعة الحرب السودانية من الداخل، بينما تظل مشاركة السودان معلّقة في جميع أنشطة المنظمة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021. وحذرت دراسة نشرها معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا في 17 أغسطس من إمكان استغلال هذه العودة لتصويرها اعترافاً ضمنياً بسلطة الجيش، ما لم تقترن بضمانات للحياد والتواصل مع مختلف القوى المدنية والسياسية وأطراف النزاع.
ولا تعني إعادة فتح المكتب رفع تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي أو منح السلطات القائمة حق شغل مقعد البلاد في المنظمة. ويظل قرار التعليق قائماً منذ اجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي رقم 1041 في 26 أكتوبر 2021، الذي ربط استئناف مشاركة السودان باستعادة النظام الدستوري وقيام سلطة انتقالية مدنية.
وجاء التعليق عقب الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، وعلّق مؤسسات المرحلة الانتقالية التي بدأت بعد إسقاط نظام عمر البشير. وكان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السابق موسى فكي محمد قد قال إن التعليق جاء نتيجة انقلاب نفذه الطرفان العسكريان اللذان أصبحا لاحقاً طرفي الحرب، الجيش وقوات الدعم السريع، ضد الحكومة المدنية الانتقالية.
فرصة للوساطة ومخاوف على الحياد
ترى دراسة معهد الدراسات الأمنية أن المكتب قد يعيد للاتحاد دوراً أكثر فاعلية في الأزمة، إذ سيكون تقريباً الجهة الوحيدة ضمن الآلية الخماسية التي تحتفظ بوجود سياسي دائم داخل السودان. وتضم الآلية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والجامعة العربية.
وقد يتيح الوجود في الخرطوم اتصالات أسرع بشأن وقف إطلاق النار، والوصول إلى القوى المدنية والمجتمعية والنقابات والقيادات المحلية، والتنسيق مع الوكالات الإنسانية والمنظمات الدولية التي بدأت العودة إلى العاصمة. كما يمكن أن يساعد المكتب على جمع معلومات من مصادر متعددة والتحقق من التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، بدلاً من الاعتماد على روايات طرفي الحرب وحلفائهما.
وفي فبراير 2026، شدد مجلس السلم والأمن الأفريقي على أنه لا يوجد حل عسكري قابل للاستمرار في السودان، داعياً إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف فوري لإطلاق النار ثم إلى حوار سوداني شامل يتناول الجوانب السياسية والأمنية والجذور الهيكلية للنزاع. ووفق الدراسة، يملك الاتحاد تفويضاً سياسياً وقارياً لقيادة مسار مماثل، وقد يساعد انخراطه المباشر على تنسيق مبادرات الوساطة التي عانت التنافس وضعف التنسيق وغياب آلية تنفيذ ملزمة.
لكن الدراسة حذرت من أن تشغيل المكتب في مناطق يسيطر عليها الجيش قد يوفر لسلطة الأمر الواقع فرصة لتقديم الخطوة على أنها اعتراف أفريقي بمؤسساتها وبالحكومة التي شكلتها. وتتزامن المخاوف مع إعلان سلطات الجيش عودتها إلى الخرطوم، فيما تعتبر قوى مدنية سودانية أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يسعى إلى تنصيب نفسه رئيساً عبر استكمال مؤسسات الحكم وتشكيل مجلس تشريعي وإطلاق حوار سياسي تحت سيطرته، رغم استمرار الحرب وانقسام السودان بين سلطتين ومناطق نفوذ عسكرية مختلفة.
وأضافت الدراسة أن اقتصار تعامل المكتب على قيادة الجيش والحكومة المتحالفة معها قد يضعف حياده وثقة القوى المدنية والمجتمعات الواقعة خارج مناطق سيطرة الجيش، إلى جانب الأطراف السياسية والعسكرية الأخرى. كما أن جعل الخرطوم مركز النشاط الدبلوماسي من دون قنوات موازية لبقية المناطق قد يقيد قدرة المكتب على الاستماع إلى ضحايا الحرب والقوى المستقلة، ويؤثر في قدرته على الوساطة لأن عملية السلام تتطلب قدراً من الثقة بين الوسيط والأطراف المتحاربة والقوى المدنية.
شروط التواصل من دون اعتراف سياسي
تخلص الدراسة إلى ضرورة الفصل الواضح بين التواصل مع السلطة التي تسيطر فعلياً على الخرطوم وأجزاء من السودان لتيسير العمل السياسي والإنساني، وبين الاعتراف بها ممثلاً شرعياً نهائياً للبلاد. فالسلطة الحالية، بحسب الدراسة، نتجت مباشرة من انقلاب أكتوبر 2021 الذي أدانه الاتحاد وعلّق على أساسه مشاركة السودان، فيما عمقت الحرب التي بدأت في أبريل 2023 الانهيار وقسمت البلاد وزادت عسكرة مؤسسات الدولة من دون أن تعيد النظام الدستوري.
ودعت الدراسة الاتحاد الأفريقي إلى إعلان صريح يؤكد أن إعادة فتح المكتب لا تغير الوضع القانوني والسياسي للسودان داخل المنظمة، وأن استعادة المشاركة الكاملة تظل مرتبطة بعودة النظام الدستوري وسلطة مدنية ذات شرعية. كما طالبت بتفويض واضح للمكتب، ودعم سياسي من قيادة الاتحاد ومجلس السلم والأمن، وقدرة على التواصل مع جميع السودانيين.
ويشمل ذلك، وفق الدراسة، القوى المدنية المناهضة للحرب، والنقابات المهنية، ولجان المقاومة، والمجموعات النسائية والشبابية، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي النازحين واللاجئين، والقيادات المحلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. كما ينبغي أن يشمل التواصل المناطق خارج سيطرة الجيش، عبر ترتيبات تحمي سلامة موظفي الاتحاد واستقلالهم وتمنع استخدام اللقاءات السياسية لمصلحة أي من طرفي الحرب.
وأكدت الدراسة أن أي عملية تدار من الخرطوم وحدها وتحت ضمانات أمنية وسياسية لطرف عسكري لا يمكن وصفها بالشاملة ما لم تتمكن الأطراف الأخرى والقوى المدنية من الوصول إليها والتأثير في أجندتها ونتائجها. ودعت إلى إعطاء الأولوية لوقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات والمحاسبة على الانتهاكات، بدلاً من حوار سياسي يعيد توزيع المناصب في وقت يستمر فيه القتال.
كما حذرت من أن تحرك المكتب منفرداً أو تبنيه بصورة غير مباشرة رؤية سلطة الجيش قد يخلق فجوة مع بقية أطراف الآلية الخماسية. وكانت الآلية قد أكدت أن العملية السياسية يجب أن تكون سودانية القيادة وشاملة ومستقلة عن هيمنة أي طرف أو جماعة متطرفة، وأن تفضي إلى حكومة انتقالية مدنية مستقلة.
وترى الدراسة أن الاتحاد يحتاج أيضاً إلى معالجة أزمة الثقة التي لحقت بجهود الوساطة بسبب تعدد المنابر وعدم تنفيذ الاتفاقات السابقة، واستمرار أطراف خارجية في تسليح طرفي الحرب بالتوازي مع إعلانها دعم التسوية السياسية. وخلصت إلى أن قيمة المكتب لن تقاس بوجوده الدبلوماسي في الخرطوم، بل بقدرته على دفع طرفي الحرب إلى وقف القتال والوصول إلى مختلف السودانيين وحماية استقلال العملية السياسية. وحذرت من أن تحول المكتب إلى قناة للتعامل مع سلطة الأمر الواقع وحدها قد يمنح اعترافاً لمن عُلقت مشاركة السودان بسببهم، بينما قد يشكل التمسك بالحياد والانفتاح على القوى المدنية وربط أي تطبيع سياسي باستعادة النظام الدستوري خطوة نحو السلام.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!