توفيت الشاعرة والكاتبة والمحررة والناشطة النسوية الأميركية روبن مورغان، التي يُنسب إليها ابتكار مصطلح «herstory» بوصفه إعادة صياغة نسوية لكلمة «history» (التاريخ)، عن 85 عامًا في نيويورك يوم السبت، بعد مشكلات صحية متتالية خلال الأسابيع الأخيرة، وفق ما أعلن ابنها بليك مورغان. وجاءت وفاتها بعد أيام من وفاة صديقتها المقربة وزميلتها الناشطة غلوريا ستاينم.
كانت مورغان لا تزال تعمل على كتب وقصائد جديدة. وبرزت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بوصفها إحدى الشخصيات التي جسدت وحفزت تحولات تاريخية في حياة النساء وطريقة تفكيرهن، ضمن ما عُرف بالموجة الثانية من الحركة النسوية، التي وسّعت مكاسب حركة المطالبة بحق المرأة في التصويت قبل نصف قرن تقريبًا.
وفي 1968، كانت بين منظمي أول احتجاج على مسابقة ملكة جمال أميركا، وشاركت مع ناشطات أخريات في إلقاء حمالات صدر في «سلة قمامة الحرية»، وهي الواقعة التي تحولت لاحقًا، على نحو غير دقيق، إلى رواية عن حرق حمالات الصدر. كما أعدت وحررت مختارات المقالات الصادرة عام 1970 بعنوان «Sisterhood is Powerful»، التي تعد من النصوص الأساسية للحركة النسوية الحديثة.
لكن ابنها قال إنها كانت ترى نفسها، قبل كل شيء، شاعرة وفنانة، وإن إبداعها غذّى نشاطها العام. وأضاف أن لديها قدرة على تكثيف الأفكار الكبرى في كلمات قليلة على طريقة الشعراء، مشيرًا إلى عبارتها: «الكراهية تعمم، والحب يحدد».
وشمل إرث مورغان الأفعال والكلمات والصور؛ إذ يُنسب إليها كذلك نشر رمز القبضة المشدودة مع رمز الأنثى، الذي ارتبط بحركة التحرر النسائي. وترددت قصيدتها «Monster»، ومن أبياتها «أريد ثورة نسائية كما أريد حبيبًا/أشتهيها»، في التجمعات النسوية وخارجها. كما جسدت قصيدتها «Arraignment» احتفاء الحركة بالشاعرة الراحلة سيلفيا بلاث وإدانتها لزوجها الشاعر تيد هيوز، الذي حمّلته مورغان وآخرون مسؤولية انتحار بلاث عام 1963. وألهمت عبارتها المقفاة «I accuse/Ted Hughes» عنوان أغنية «J’Accuse Ted Hughes» لفرقة سونيك يوث.
ووصفها تقرير حكومي بأنها «ربة منزل فوضوية»، فيما واجهت المؤسسة السياسية والثقافية، يمينًا ويسارًا. ففي 1970، أوقفت وسُجنت مع محتجين آخرين بعدما احتلوا مكاتب دار النشر الطليعية «غروف برس»، التي كان مالكها بارني روسيت يقاوم مساعي الموظفين لتأسيس نقابة. وفي مقالها واسع إعادة النشر في العام نفسه، «Goodbye to All That»، انتقدت شخصيات تحررية وناشطين، من هيو هيفنر إلى آبي هوفمان، وشبهت هوفمان بـ«أي نجم سينمائي صاعد يهجر الزوجة الأولى والأطفال».
وفي حياتها الشخصية، ارتبطت مورغان بعشاق من الرجال والنساء، وتزوجت لأكثر من 20 عامًا من الشاعر المثلي كينيث بيتشفورد، وأنجبت منه ابنها بليك، الموسيقي والمنتج ومؤسس شركة تسجيلات. ووصفت زواجها مرة بأنه «كومونة من عضوين»، وكانت ترفض التصنيفات إلى درجة أنها تذكرت تعرضها لما سمته «استفزازًا بسبب المغايرة الجنسية» من نسويات اعتقدن أنه ينبغي أن تكون مثلية، وانتقادات من محافظين افترضوا أنها مثلية.
وفي مذكراتها الصادرة عام 2001 بعنوان «Saturday’s Child»، كتبت عن فرحها ودهشتها من المسار الذي اتخذته حياتها وقدرتها على الاحتفاظ بـ«حس فكاهي مهترئ وشبه سريالي». وكتبت: «ضعوا ذلك في فطيرة التفاح ودخنوه».
وإلى جانب «Saturday’s Child»، أنجزت أكثر من 20 كتابًا، بينها «The Word of a Woman: Feminist Dispatches»، ومجموعتا الشعر «Monster» و«Dark Matter». وتبعت «Sisterhood is Powerful» بكتاب «Sisterhood is Global» عام 1984، ثم «Sisterhood is Forever» عام 2002، بمساهمات من ستاينم وسيمون دو بوفوار وإيف إنسلر. كما شغلت لسنوات منصب رئيسة تحرير مجلة «Ms.» النسوية.
وكانت ستاينم تصفها بأنها لاعبة مثالية متعددة المهام، موهوبة في كل ما قد تحتاج إليه حركة احتجاجية تقريبًا. وساعدت مورغان، بصفتها منظمة، في تأسيس جماعات نسوية خلال الستينيات، منها «نساء نيويورك الراديكاليات» و«المؤامرة الإرهابية الدولية للنساء من الجحيم» المعروفة اختصارًا بـW.I.T.C.H. وانضمت إلى حزب الشباب الدولي اليساري، أو «ييبيز»، الذي قاده هوفمان وجيري روبن وآخرون، لكنها سرعان ما شعرت بالاشمئزاز من طريقة تعامل المجموعة مع النساء وغادرتها.
وفي 1984، شاركت في تأسيس «معهد Sisterhood Is Global»، وهو مركز بحثي نسوي مبكر. وفي 2005، أطلقت مع ستاينم وجين فوندا «مركز المرأة للإعلام»، الذي يهدف إلى دعم «ظهور النساء والفتيات وقدرتهن على الاستمرار وقوتهن في اتخاذ القرار في الإعلام».
وفي سنواتها الأخيرة، قدمت برنامجًا إذاعيًا يُبث على نطاق واسع، وظلت ناشطة رغم تشخيص إصابتها بمرض باركنسون قبل 16 عامًا. وألهمها المرض كتابة عدة قصائد وإلقاء كلمة في فعالية TEDWomen عام 2015.
من طفلة نجمة إلى ناشطة
وُلدت مورغان عام 1941 في ليك وورث بولاية فلوريدا، ونشأت في نيويورك. ولم تر والدها خلال طفولتها، إذ أخبرتها والدتها، خلافًا للحقيقة، بأنه توفي. كما أنقصت والدتها عامًا من عمرها وادعت أنها وُلدت في 1942، كي تبدو بدايتها المهنية المبكرة أكثر إدهاشًا.
بدأت روبن الشقراء والموهوبة العمل عارضة أزياء في سن 3 سنوات، وقدمت برنامجها الإذاعي «Little Robin Morgan» في سن 5 سنوات، وظهرت في الفترة نفسها تقريبًا في برنامج المسابقات الإذاعي، ثم التلفزيوني، «Juvenile Jury». وبين 1949 و1957، شاركت في المسلسل الكوميدي العائلي الناجح «Mama»، وظهرت في «Robert Montgomery Presents» و«Kraft Theater» وبرامج أخرى.
والتقت نجوماً من ذلك العصر، من أبوت وكوستيلو إلى سال مينيو، وبلغت شعبيتها حد إصدار منتجات تجارية مرتبطة باسمها، بينها دمى روبن مورغان. وصفتها المجلات بأنها «غير مدللة» و«مهذبة» و«الفتاة المثالية المجاورة»، وبأنها محصنة ضد «نوبات العداء العنيفة للمجتمع القائم».
لكنها، بعيدًا عن الكاميرا وأحيانًا أمامها، كانت بعيدة عن تلك الصورة؛ إذ بدأت أول قصيدة طفولية «جادة» لها بعبارة: «اذهب، يا غضب، وشّتِ العالم باليأس». وخلال إحدى حلقات «Juvenile Jury»، كان السؤال عما إذا كان صبي يستحق الضرب؛ وكان مطلوبًا منها أن تمزح قائلة إنه ينبغي أن يرتدي حشوة تحت سرواله، لكنها أعلنت بدلًا من ذلك أن كل العقاب البدني خاطئ.
وكتبت في «Saturday’s Child» أن المنتج دان إهرنرايش ضغط على كتفها بقوة حتى شعرت بأظافره، وأدار ميكروفونها بعيدًا عنها، ثم وضع يده على فمها في النهاية. وأضافت: «أدركت أنني أحب وأحترم تلك الطفلة التي قاومت، في ما كان أول فعل سياسي أتذكر أنني تجرأت على القيام به».
وبعد بلوغها أواخر سنوات المراهقة، بدأت حضور دروس في جامعة كولومبيا وورش للشعر، وانخرطت سياسيًا. وسارت في تظاهرات للحقوق المدنية ولإنهاء حرب فيتنام، والتقت محتجين وفنانين وشعراء، منهم دبليو. إتش. أودن وأنطوني هيشت. وقدم لها الأخير منظورًا ذكوريًا للعملية الإبداعية بقوله: «لكن يا عزيزتي، ينبغي للنساء أن يكنّ قصائد، لا أن يكتبنها».
وفي 1962، التقت بيتشفورد في حفلة بمانهاتن. وبعد مغادرة الضيوف الآخرين، الذين وصفتهم بأنهم «راكبو دراجات مخمورون» وراقصو جوفري «المخدرون والمهلوسون»، وإلحاح المضيف عليها في أن تذهب معهم، أشعل بيتشفورد الشموع ووضع سيمفونية «العالم الجديد» لدوفورجاك على مشغل الأسطوانات، وأصبح «أول» رجل في حياتها. ثم مشيا لساعات وانتهيا على مقعد في حديقة وسط المدينة، حيث قال لها: «لديك هالة من الإمكانات يا روبن، تجعلني أصدق أن أي شيء يمكن أن يحدث».
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!