استعاد لاري سيلونا، مراسل شؤون الشرطة المخضرم في صحيفة «نيويورك بوست»، ما شهده في مانهاتن يوم 11 سبتمبر 2001، حين وصل إلى موقع برجي مركز التجارة العالمي بعد انهيارهما، وسط حطام كثيف ورماد غطى الشوارع، قبل أن يعلم لاحقًا بمقتل صديقه المحقق في شرطة نيويورك جوزيف فيجيانو أثناء أداء الواجب.
بدأ ذلك الثلاثاء كأي صباح عادي، بحسب سيلونا، الذي كان يستعد للعمل عندما شاهد على التلفزيون طائرة تصطدم بمركز التجارة العالمي. وعندما وصل إلى مانهاتن، كان البرجان قد انهارا بالفعل.
قال إن الرؤية كانت تتضاءل كلما اقترب من موقع الدمار، فيما خيم ضباب كثيف في الهواء. وكان الناس يسيرون وسط رماد بعمق 6 بوصات، نتج عن أطنان من الخرسانة التي تحولت إلى مسحوق جراء الانهيار. وعند وصوله إلى شارع تشيرتش، بدا المشهد له كأنه من فيلم عن تصادم كواكب لم يترك شيئًا وراءه، لكنه شدد على أن ما رآه كان واقعًا.
اصطفت عشرات سيارات الإسعاف على جانبه الأيمن وأبوابها مفتوحة بانتظار مصابين لم يصلوا. كما رأى عربات قهوة مهجورة، وقد غطى الرماد ما فيها من كعك «دونات» و«بيغل». وتذكر أنه كان في متجر «سينتشري 21» قبل يوم واحد فقط، بينما كانت نوافذ المتجر الآن محطمة والمبنى متضررًا بشدة.
كانت الشوارع مدفونة تحت الغبار والفولاذ الملتوي والخرسانة، ووصل ارتفاع بعض أكوام الحطام إلى أكثر من 50 قدمًا. وغطى الدخان الأنقاض بسحابة امتدت إلى أقصى ما يستطيع رؤيته، وهو مدى لم يكن بعيدًا. ووصف الرائحة النفاذة بأنها مثيرة للغثيان، وقال إن الغبار غطاه من رأسه إلى قدميه، وإنه مر فوق أجزاء من أجساد ورأى عجلة تعود إلى إحدى الطائرتين.
وأوضح سيلونا أنه غطى مئات مسارح الجرائم في أنحاء المدينة، وكتب عن قتلة متسلسلين وتحدث إلى متهمين بالقتل داخل السجن. كما تذكر واقعة حريق «هابي لاند» في حي برونكس، حين وُضعت 87 جثة في محطة وقود في شارع ساوثرن بوليفارد، وتذكر أيضًا تغطيته تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 في الشوارع ذاتها قبل 8 سنوات. لكنه قال إن أياً من تلك الوقائع لم يشبه ما كان يشهده آنذاك.
كان عناصر الشرطة والإطفاء يحاولون، من دون جدوى، إزاحة آلاف الأرطال من الأنقاض بأيديهم للعثور على زملائهم. وقال إن بعضهم كان يبكي لإدراكه أن احتمالات العثور على ناجين ضئيلة. فبعد أن كان الصباح هادئًا قبل ساعات قليلة، تغير العالم إلى الأبد.
ومع توالي الأنباء عن ضربات الطائرات، اتصل سيلونا بصديق نشأ معه ويعمل في قسم الاستخبارات بشرطة نيويورك، فأبلغه: «يعتقدون أنه قد يكون هجومًا إرهابيًا». وقال سيلونا إن تلك كانت المرة الأولى التي يسمع فيها هذا المصطلح، الذي سمعه آلاف المرات منذ ذلك الحين.
وبعد ذلك مباشرة، اتصلت به محررته وهي تصرخ بأن المدينة تتعرض لهجوم. وعندما أخبرها بأن الشرطة تنظر في احتمال هجوم إرهابي، سألته إن كان متأكدًا، فأجابها بأن الشرطة تتعامل مع الأمر على أنه هجوم إرهابي وأن الجميع يُستدعون إلى العمل، فطلبت منه الاتصال فور حصوله على مزيد من المعلومات.
واصل سيلونا إجراء الاتصالات، ثم انهار البرج الجنوبي أمام ملايين المشاهدين على الهواء. ودخلت المدينة حالة طوارئ أغلقت خلالها الطرق السريعة ومنافذ الدخول إلى مانهاتن، باستثناء مركبات المستجيبين للطوارئ. وتمكن من الوصول إلى موقع «غراوند زيرو»، وهو موقع البرجين المنهارين، برفقة جون جيانغراسو، أمين رابطة الإحسان التابعة للشرطة في شمال بروكلين.
وقال إن رئيس البلدية وقيادات الشرطة والإطفاء والسلطات الفدرالية كانوا يحاولون تحديد المسؤولين عن الهجمات وكيفية إنقاذ آلاف المفقودين تحت أطنان من ركام البرجين التوأمين. وانتشرت شائعات عن مقتل مئات من عناصر الشرطة والإطفاء، إلى جانب آلاف المدنيين.
خلال فترة بعد الظهر، تلقى اتصالًا من ضابطة الشرطة كاثي فيجيانو تسأله عما إذا كان لديه أي خبر عن زوجها، المحقق جوزيف فيجيانو. وكان سيلونا يعرفهما منذ لقائهما في الدائرة الشرطية 75، عندما كان يغطي العدد القياسي من جرائم القتل في المنطقة عام 1993. وقال لها إنه لم يسمع شيئًا عنه، فتوجهت إلى مانهاتن للبحث عنه بعدما عجزت عن الحصول على إجابات.
قال سيلونا إنه شعر حينها بقلق مفاجئ: ماذا لو كانت الشائعات بشأن مقتل عناصر الشرطة والإطفاء صحيحة؟ وأضاف أنه كان يعرف جوزيف جيدًا، ويعرف أنه لو وصل إلى البرجين لكان اندفع إلى السطح وتأكد من إخلاء الجميع، إلا إذا وقع ما لا يمكن تصوره وكان داخل المبنى لحظة انهياره.
وبدأ يفكر في عشرات عناصر الشرطة والإطفاء الذين كان يعرفهم شخصيًا من عمله الصحفي في وسط مانهاتن. وبينما كان يملي ملاحظاته على غرفة الأخبار، ظل يفكر في جوزيف وفي غيره ممن قد يكونون مدفونين على بعد أقدام قليلة من مكان وقوفه.
وتوجه لاحقًا إلى مقر قيادة الشرطة، حيث تجمعت بعض العائلات التي لم تتمكن من التواصل مع ذويها. ورأى كاثي هناك، ثم اطلع في وقت متأخر من تلك الليلة على قائمة تضم أسماء 23 شرطيًا مفقودًا. وسرعان ما علموا أن جوزيف كان بين من قُتلوا أثناء أداء الواجب.
في الأيام التالية، واصل سيلونا الذهاب إلى مقر الشرطة والتحدث إلى عائلات الضباط المفقودين. وقال إنه كان، بحزن، يكوّن صداقات جديدة مع زوجات وأزواج وآباء وأمهات وأبناء وبنات وإخوة وأخوات كانوا ينتظرون معجزة لم تأتِ. وشاهد الألم المستمر مع تداخل الأيام بعضها ببعض.
وعندما كان يعود إلى «غراوند زيرو»، لم يعد يرى الفولاذ الملتوي فقط، بل وجوه أشخاص يعرفهم، ووجوه آخرين تعرّف إليهم من خلال عائلاتهم المفجوعة. وقال إن تغطيته، على مدى الأعوام الـ25 التالية، مئات جرائم القتل والجرائم الأخرى، ولقاءه عائلات ضحايا كثيرين، بمن فيهم عناصر شرطة قتلوا أثناء أداء الواجب، لم يضاهيا ما مر به في تلك الأسابيع والأشهر.
ولا يزال يتذكر سيارات الإسعاف وعربات القهوة ومدينة نابضة بالحياة خيم عليها الصمت. وقال إن محرريه يطلبون منه أحيانًا، عند ظهور قصة عن 11 سبتمبر، التواصل مجددًا مع العائلات والأصدقاء الذين تعرف إليهم قبل 25 عامًا للحصول على تعليق، وإنه يتمنى في داخله لو التقاهم في ظروف مختلفة.
وأضاف أن هؤلاء تمكنوا بطريقة ما من المضي قدمًا ببطء؛ فالألم باقٍ، لكنهم استطاعوا بناء حياة لأطفالهم. وأصبح كثير منهم جدات، فيما أصبح بعض الأطفال، بعد بلوغهم، عناصر شرطة أو إطفاء، وكذلك معلمين ومحامين.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!