حذّر برنامج الأغذية العالمي والمنظمة الدولية للهجرة من أن عمليات الإغاثة في السودان قد تتقلص خلال أسابيع بسبب نقص التمويل، فيما قد تنفد مواد الإيواء والمياه والصرف الصحي بنهاية سبتمبر. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، بعد زيارة استمرت 8 أيام شملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة، إن البلاد تواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم من دون تمويل أو اهتمام يوازيان حجمها.
ووفق إحاطة برنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 20 مليون شخص الجوع الحاد، بينهم 5 ملايين في مستوى الطوارئ، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص ظروفاً كارثية تتصل بتراجع القدرة على الحصول على الغذاء وخطر التجويع. وانخفض تمويل عمليات البرنامج في السودان من نحو 645 مليون دولار العام الماضي إلى قرابة 206 ملايين دولار هذا العام، ويحتاج البرنامج إلى 300 مليون دولار إضافية للإبقاء على مستوى استجابته الحالي.
ولا تصل هذه الاستجابة إلا إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص شهرياً من أصل 20 مليوناً يعانون الجوع الحاد. كما يعيش بين مليونين و2.5 مليون من المستفيدين في مناطق يصعب الوصول إليها بفعل القتال وانقسام مناطق السيطرة والقيود الأمنية والإدارية. وحذّر سكاو من خفض أكبر للعمليات إذا لم يصل تمويل عاجل، موضحاً أن العائق لم يعد القدرة التشغيلية، بل نقص الأموال اللازمة لاستخدام الإمكانات والوجود الميداني.
وأشار إلى أن أي خفض جديد سيجبر البرنامج على تقليص عدد المستفيدين أو خفض الحصص الغذائية، علماً بأن بعض النازحين يحصلون بالفعل على نصف احتياجاتهم فقط. وفي طويلة بشمال دارفور، التي اقترب عدد الموجودين فيها من مليون شخص بعد وصول نحو 250 ألف نازح منذ زيارة سكاو السابقة في أبريل، يقدم البرنامج مساعدات لنحو 950 ألف شخص شهرياً، لكنها تعادل نصف حصة غذائية تكفي لنحو أسبوعين.
وتفتقر طويلة إلى فرص العمل والأسواق المستقرة والخدمات الأساسية، فيما تضم أسراً فقدت مساكنها وأقاربها ومواردها، وتشكل النساء المعيلات نسبة كبيرة منها بعد مقتل الأزواج والأبناء أو فقدانهم خلال الحرب. كما لا تتوافر في التجمعات ما يكفي من المدارس والمرافق الصحية والمياه والمأوى، بينما تستمر أعداد النازحين في الارتفاع بوتيرة أسرع من تحسن الخدمات.
وفي الفاشر، قال سكاو إنه شاهد مدينة فقدت معظم سكانها ومظاهر حياتها. فالمدينة التي كانت تضم نحو مليون شخص لم يبق فيها، بحسب تقديره، سوى عشرات الآلاف وسط أحياء محترقة ومنازل أصابتها الرصاصات وسيارات مدمرة وغياب شبه كامل للأسواق والنشاط الاقتصادي. ويصل البرنامج إلى نحو 20 ألف شخص في المدينة، حيث تمثل المساعدات مصدر الإغاثة الإنساني الوحيد تقريباً لمن بقوا فيها.
وأضاف أن بعض العائدين رجعوا إلى الفاشر لغياب الغذاء والمأوى في مناطق نزوحهم، لا لتحسن ظروف المدينة، ليجد كثير منهم منازلهم مدمرة ويقيمون في مبان مهجورة. وعلى الطريق بين الفاشر وطويلة، أشار إلى نزوح نحو 700 ألف شخص خلال أقل من عام، وسط انتهاكات ومخاطر تعرض لها الفارون من المدينة والمخيمات المحيطة بها.
وأوضح سكاو أن إيصال الغذاء أصبح أكثر صعوبة وكلفة؛ فالرحلة بين الأبيض والفاشر التي كانت تستغرق نحو 6 ساعات بالسيارة قبل الحرب استغرقت 3 أيام. واضطر الوفد إلى السفر من الخرطوم عبر أديس أبابا ونجامينا وأدري، ثم قطع رحلة برية لنحو 30 ساعة عبر جبل مرة للوصول إلى الفاشر، بسبب تعذر المرور المباشر بين خطوط القتال.
ويدخل البرنامج الغذاء إلى دارفور عبر الكاميرون وتشاد، وإلى كردفان من بورتسودان والخرطوم، لكنه يواجه هجمات على القوافل وصعوبات في التصاريح وغياب ضمانات الأمن وتعطل الطرق. ودعا سكاو إلى السماح بمرور المساعدات بين خطوط القتال، وتعزيز حماية القوافل والعاملين الإنسانيين، وتوسيع النقل الجوي إلى الأبيض ودارفور.
وفي الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تضاعف عدد السكان تقريباً بسبب النزوح، وتضم المدينة 8 مخيمات إلى جانب نازحين يقيمون مع أسر ومجتمعات مضيفة. وقال سكاو إنه شاهد نساء وصلن بعد سير استمر 5 أيام عقب تدمير قراهن ومنازلهن. لكن نقص التمويل دفع البرنامج إلى إعطاء الأولوية للنازحين الجدد وتقليص المساعدة أو وقفها عن أسر نزحت قبل 3 أعوام، رغم أن كثيراً منها لا يستطيع العودة أو إيجاد عمل.
وتزامن نقص التمويل مع تهديدات للموسم الزراعي. وقال سكاو إن سكان دارفور عبّروا عن قلقهم من الجفاف، وإن المنطقة لم تشهد ظروفاً مماثلة منذ عام 1984، وفق ما نقل عن المجتمعات التي التقاها. ويهدد ضعف الأمطار المحاصيل والمراعي والثروة الحيوانية، فيما تزيد اضطرابات الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز كلفة الواردات والنقل عبر البحر الأحمر، بالتزامن مع تعطيل الحرب للأسواق والتجارة الداخلية.
وفي موازاة ذلك، قالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب إن المنظومة الإنسانية في السودان قد تنهار خلال أسابيع. وذكرت المنظمة أن مخزون مواد الإيواء ومستلزمات المياه والصرف الصحي والنظافة والاحتياجات المنزلية قد ينفد بنهاية سبتمبر، بينما لا تكفي الموارد التشغيلية المتاحة إلا حتى ديسمبر.
وتدير المنظمة خط إمداد مشتركاً تعتمد عليه أكثر من 100 جهة إنسانية لتوصيل المواد إلى النازحين والمتضررين. ومنذ يوليو 2023، ساعد هذا الخط نحو 2.84 مليون شخص، لكن عدد المستفيدين سنوياً انخفض من قرابة مليون في 2024 إلى 804 آلاف في 2025، ثم إلى نحو 330 ألفاً خلال العام الجاري.
وتحتاج المنظمة إلى 15 مليون دولار للحفاظ على الحد الأدنى من عملياتها والوصول إلى نحو 305 آلاف شخص، وإلى 27 مليون دولار لاستعادة مستوى استجابة 2025 والوصول إلى 570 ألفاً، فيما يتطلب دعم مليون شخص 42 مليون دولار. ويبلغ عدد النازحين داخل السودان نحو 8.6 مليون شخص، يقيم قرابة 70% منهم مع مجتمعات مضيفة أو في تجمعات غير رسمية تفتقر إلى الخدمات.
وحذرت المنظمة من أن نفاد مواد الإيواء والصرف الصحي مع الأمطار والأوبئة قد يؤدي سريعاً إلى زيادة الأمراض والوفيات. وقال سكاو إن التمويل الفوري يمكن أن يمنع انهيار الاستجابة القريبة، لكنه لن ينهي الأزمة في ظل استمرار الحرب وتعطل العبور بين الجبهات وتعرض القوافل للهجمات وتدمير الأسواق والزراعة والبنية الأساسية. ودعا إلى تحرك سياسي لإنهاء الحرب وتمويل عاجل يمنع سحب الغذاء من ملايين الأشخاص الذين لا بديل لديهم.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!