دفعت الاحتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا الملف المعيشي إلى واجهة التحديات، بعدما بلغت الزيادة الأخيرة في الأسعار 40%، وسط مخاوف من انتقال كلفة الطاقة إلى النقل والإنتاج والزراعة وأسعار السلع الأساسية. ويرى الباحث السياسي عباس شريفة أن حماية سعر الخبز عبر تزويد الأفران بالمازوت بأسعار تفضيلية لا تمنع امتداد الزيادات إلى منتجات أخرى.
وقال شريفة إن مطالب المحتجين محقة، لكنه اعتبر أن الأزمة لا تقتصر على قرار رفع الأسعار، بل ترتبط باقتصاد أضعفته سنوات الحرب وتأخر مشاريع واستثمارات بفعل تطورات إقليمية ودولية.
تراجع إنتاج النفط
وأوضح أن السوريين توقعوا معالجة مشكلاتهم الاقتصادية بعد نجاح الثورة وسقوط نظام الأسد، إلا أن الدولة الجديدة ورثت، بحسب وصفه، «شبه دولة» واقتصاداً متدهوراً ومؤسسات وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع.
وأشار إلى أن إنتاج سوريا النفطي كان يتراوح بين 400 ألف و500 ألف برميل يومياً، قبل أن يؤدي تدمير البنية التحتية للقطاع إلى هبوطه إلى نحو 100 ألف برميل يومياً. وقال إن هذا التراجع أبقى البلاد معتمدة على الاستيراد، وربط أسعار الطاقة محلياً بتقلبات السوق العالمية، من دون أن يخفف ذلك من وقع الزيادة الأخيرة على المواطنين الذين كانوا ينتظرون تحسناً أسرع في ظروفهم المعيشية.
وأضاف أن بعض الأصوات الإعلامية رفعت توقعات السوريين حين أوحت بإمكان حل مشكلات البلاد خلال عام أو عامين من سقوط النظام، بينما جاء الواقع الاقتصادي والإقليمي أكثر تعقيداً.
وبحسب شريفة، دفعت الحرب الإيرانية والأزمات الأمنية في مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد في الخليج، دولاً كانت تخطط للاستثمار في سوريا إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على أمنها وشؤونها الداخلية. وقال إن ذلك أدى إلى تأخر مشاريع واستثمارات كان السوريون يعولون عليها لتحسين معيشتهم وتنشيط الاقتصاد.
مخاوف من فوضى الأسعار
ولم يحصر شريفة أسباب الاحتجاجات في الوقود، مشيراً إلى صورة متداولة عن نفقات وصفها بغير المبررة لبعض المسؤولين، وإلى انتقادات شعبية للمواكب ومظاهر الإنفاق الرسمي. وطالب بأن يشمل التقنين المسؤولين أيضاً، معتبراً أن هذه المظاهر تزداد استفزازاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وقال إن ربط سعر الطاقة بالسعر العالمي يعني أن الدولة لم تعد ملزمة بحماية سعر محدد لها، إلا أنها تعهدت بحماية سعر الخبز من خلال تقديم المازوت إلى الأفران بأسعار تفضيلية. لكنه أشار إلى أن ارتفاع كلفة الوقود يؤثر في النقل والشحن والإنتاج والزراعة والخضروات، ثم ينعكس تدريجياً على سلع أخرى.
واعتبر أن الاختبار الفعلي يتمثل في قدرة الدولة السورية على منع تحول الزيادة إلى موجة غلاء غير منضبطة، محذراً من أن يستغل بعض التجار ارتفاع أسعار النفط لزيادة أسعار السلع من دون الالتزام بالتسعيرة الرسمية. ورأى أن أزمة المحروقات تختبر قدرة السلطات على ضبط الأسواق ومراقبة الأسعار وحماية المواد الأساسية، بالتوازي مع إدارة توقعات السوريين في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!