لم تُنفذ خريطة الطريق التي أعلنتها السلطات السورية في 16 سبتمبر/أيلول 2025 لحل أزمة محافظة السويداء جنوبي سوريا، بعد أكثر من عام على طرحها بدعم أردني وأمريكي. وبينما ترفضها جهة نافذة في المحافظة، يقول سياسيون وحقوقيون من السويداء إن أزمة الثقة مع دمشق والخلاف على شروط التنفيذ أبقياها دون تقدم.
جاء إعلان الخريطة استكمالا لاجتماعات عُقدت في عمّان خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025 بين الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة. وتضم 7 مراحل، من أبرزها محاسبة المعتدين على المدنيين وممتلكاتهم بالتنسيق مع المنظومة الأممية للتحقيق وتقصي الحقائق، وتعويض المتضررين، وترميم القرى والبلدات، وتسهيل عودة النازحين. وتشمل أيضا نشر قوات محلية من وزارة الداخلية لحماية الطرق، وكشف مصير المفقودين، وإعادة المحتجزين والمخطوفين من جميع الأطراف، وبدء مسار للمصالحة الداخلية.
ترفض اللجنة القانونية العليا في السويداء، التابعة للزعيم الدرزي حكمت الهجري، الخريطة منذ سبتمبر/أيلول 2025. وقد اتهمت دمشق بالتنصل من مسؤوليتها عما جرى في المحافظة، وطالبت باستقلالها أو إدارة شؤونها ذاتيا. ويتمسك الهجري برفض التسوية مع الحكومة السورية ويدعو إلى الانفصال، وقال إن السويداء «جزء لا يتجزأ من إسرائيل». ونظم أنصاره مسيرات رفعوا فيها العلم الإسرائيلي وصور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كان أحدثها يوم الأربعاء السابق لنشر المادة.
وتشهد السويداء وقفا لإطلاق النار منذ الأحداث التي شهدتها في يوليو/تموز 2025. وقالت لجنة تحقيق شكلتها السلطات السورية إن الأحداث خلّفت مئات القتلى والجرحى؛ وأعلنت في 17 مارس/آذار 2026 أن عدد الضحايا من جميع الأطراف بلغ 1760 شخصا، والمصابين 2188. وفي 3 يوليو/تموز 2026، أوضحت أن النيابة العامة العسكرية بدأت إحالة أشخاص إلى قاضي التحقيق، وأن بعض القضايا أُحيلت إلى محكمة الجنايات العسكرية في دمشق، التي بدأت النظر فيها بجلسات علنية.
خلاف بشأن أسباب التعثر
يرى الأمين العام لـ«التحالف الوطني للسلامة والتنمية» خالد جمول أن الخريطة لم تلامس واقع السويداء، وأن التحفظ على بنودها لا يقتصر على موقف الهجري بل يشمل، بحسب تقديره، معظم سكان المحافظة. وقال إن الخريطة لم تقدم صيغة واضحة لجبر الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالمهجرين.
ويختلف معه الباحث السياسي مهيب صالحة، إذ يرى أن الخريطة تضع خطوطا عريضة للحل وتترك تفاصيل الملفات الإنسانية والسياسية والأمنية والقضائية للتفاوض بين السويداء ودمشق. واتهم الجهة المتحكمة بقرار المحافظة برفض مبدأ التفاوض والسعي إلى مشروع انفصالي بالتعاون مع إسرائيل؛ وهي اتهامات وردت على لسانه، لا نتيجة أثبتها التقرير. كما حمّل إسرائيل مسؤولية جمود الاتفاق، وقال إن اتفاقات سابقة شارك فيها الهجري نصّت على لامركزية إدارية موسعة للسويداء وتشكيل قوتين أمنية وعسكرية من أبناء المحافظة.
أما العضو السابق في المكتب التنفيذي لمحافظة السويداء معتصم العربيد، فيدعو إلى تعديل بنود تضمن عدم تكرار ما جرى ومعالجة آثاره والتعويض العادل للمتضررين. واتهم الحكومة السورية بعدم تنفيذ التزاماتها بموجب خريطة عمّان، معتبرا أن رفض الهجري لا يعفيها من ذلك. ويتفق معه المحامي والناشط السياسي بسام الشوفي في أن الخريطة تفتقر إلى أرضية تتيح تنفيذها، مشيرا إلى أن السويداء لم تكن ممثلة في الاجتماعات التي ضمت الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة. وقال إن دمشق لم تقدم، حتى وقت تصريحه، بادرة يمكن قياسها على الأرض لإقناع المعارضين لها في المحافظة بجدية التنفيذ.
تعديلات مقترحة وأسئلة عن الالتزامات
وقال المحامي عثمان العيسمي إن فريقا من الحقوقيين والناشطين السياسيين في السويداء اقترح تعديل نصف بنود خريطة عمّان والإبقاء على النصف الآخر. ويتضمن اقتراحهم تعاون الحكومة السورية مع لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن السويداء، وإحالة المتهمين إلى محاكم دولية مختصة، وتوقيف من تثبت مشاركتهم في الجرائم. كما يقترح تعويضا يشمل الأضرار المادية والجسدية والمعنوية، وإنجاز عمل لجنة التحقيق خلال 6 أشهر من بدء عملها.
ويقترح العيسمي كذلك سحب القوات الحكومية إلى خارج الحدود الإدارية للمحافظة، ونشر قوات شرطة مؤهلة على تلك الحدود من خارجها، واتخاذ إجراءات تتيح لسكان القرى والبلدات المتضررة العودة إلى منازلهم بأمان. وكان رئيس لجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء، القاضي حاتم النعسان، قد قال في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إن اللجنة تعمل على تحديد المسؤوليات الفردية والتحقيق في الانتهاكات المزعومة من جميع الأطراف، ومحاسبة من يثبت تورطه، وتقديم توصيات لمنع تكرار الانتهاكات.
في المقابل، يقول الأكاديمي وائل شجاع إن تعديل بنود الخريطة، حتى إن وافقت عليه دمشق، لا يحسم مسألة الجهة القادرة داخل السويداء على الالتزام بالأمن وعودة جميع المهجرين، بمن فيهم البدو والسنّة، وتسليم المطلوبين وتنظيم عمل مؤسسات الدولة. وتساءل أيضا عمن سيتولى الأمن في مناطق المحافظة إذا انسحبت منها القوات الحكومية، وكيف ستُحاسب المطلوبون في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، ومن سيموّل التعويض وإعادة الإعمار. ويرى أن التفاوض يجب أن يحدد التزامات الطرف المسيطر فعليا في السويداء، لا أن يقتصر على تعديل صياغة الخريطة أو مطالبة دمشق بتنفيذها.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!