أعلن المركز السوري للعدالة والمساءلة تحديد هوية 7 أفراد من عائلة فُقدت في مدينة الرقة السورية، بعد مقارنة الحمض النووي المستخرج من رفات عُثر عليها بين أنقاض مبنى بعينة من أحد أقاربهم. وقال المدير التنفيذي للمركز، محمد العبد الله، إن العمل بدأ في عام 2024 بالتعاون مع مؤسسة متخصصة في الطب الشرعي من غواتيمالا، وأفضى إلى تحديد هوية الأب والأم وأطفالهما الخمسة، فيما لا يزال فرد آخر من العائلة في عداد المفقودين.
وأوضح العبد الله أن العائلة هي عائلة بسام حمادة، التي نزحت من تدمر إلى الرقة. وبحسب روايته، قضى أفراد منها تحت ركام مبنى انهار إثر قصف للتحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبقيت رفاتهم مختلطة برفات آخرين لسنوات.
بدأ التحقيق بانتشال رفات عظمية متناثرة بين أنقاض مبنى في الرقة يُعرف باسم مبنى جكّاك. وتبيّن أن الرفات تعود إلى 10 أشخاص على الأقل، بينهم بالغون وأطفال. وأخذ المركز، بالتعاون مع مؤسسة الطب الشرعي الأنثروبولوجي الغواتيمالي، عينات من 10 مجموعات من الرفات لإعداد بصمات وراثية ومقارنتها بعينات من أشخاص يُحتمل أن تربطهم بالضحايا صلة قرابة.
واستغرق تحديد عائلة يُحتمل ارتباطها بالرفات عدة أشهر. وجمع المحققون أدلة من موقع المبنى، وقارنوها بإفادات أفراد الأسرة والشهود وصور الأقمار الصناعية وتقارير للجيش الأمريكي عن الخسائر البشرية بين المدنيين. وقادتهم هذه الأدلة إلى عائلة من تدمر انقطع اتصالها بأقارب لها في الرقة خلال الغارات الجوية المرتبطة بانهيار المبنى. ثم حصل المركز على عينة وراثية مرجعية من أحد أفراد العائلة.
تمكن المختبر الوراثي التابع للمؤسسة الغواتيمالية من إعداد بصمات وراثية لـ9 مجموعات فقط من أصل 10، بسبب تحلل الحمض النووي بفعل العوامل البيئية أو عدم كفاية كميته في إحدى العينات. وأظهر التحليل صلة قرابة بيولوجية بين صاحبة العينة المرجعية و6 مجموعات من الرفات، تعود إلى الأم والأطفال الخمسة. وثبتت عائدية مجموعة سابعة إلى الأب بسام حمادة بمقارنة بصمات الأطفال الوراثية برفات رجل بالغ. وقال المركز إن قوة التطابق في بعض الحالات جعلت احتمال ظهوره عند وجود صلة قرابة أكبر بتريليونات المرات من احتماله عند غيابها.
ولتمييز رفات كل شخص، احتاج المحققون أيضًا إلى معلومات عن أفراد العائلة قبل فقدانهم، مثل أعمار الأطفال وأطوالهم. وقال العبد الله إن هذه البيانات أظهرت أن حسن عليوي، وهو أحد أفراد العائلة المفقودين، ليس ضمن الرفات التي ثبت ارتباطها البيولوجي بالعائلة، ولا يزال في عداد المفقودين.
وبيّن المركز أن فحص الحمض النووي يساعد في تحديد هوية الرفات، خصوصًا عندما لا تبقى سمات جسدية مميزة، لكنه لا يكفي وحده. إذ يجب ربط نتيجته بظروف العثور على الرفات والمعلومات عن الأشخاص الذين يُحتمل أنهم كانوا في الموقع. ويرى المركز أن هذه القضية تقدم نموذجًا يمكن للهيئة الوطنية للمفقودين الاسترشاد به.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن مقارنة البصمات الوراثية للرفات بعينات الأقارب تتيح الوصول إلى استنتاجات عالية الموثوقية بشأن الهوية. وشدد على أن تحديد هوية الضحية لا يثبت تلقائيًا سبب الوفاة أو المسؤولية الجنائية عنها، إذ يتطلب الأمر تحقيقات مستقلة.
ويرى عبد الغني أن توسيع استخدام التقنية في سوريا ممكن علميًا، مستشهدًا بتجربة البوسنة والهرسك، لكنه يتطلب منظومة وطنية تضم فرقًا متخصصة في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الجنائية، ومختبرات تعمل وفق معايير معتمدة، وقاعدة بيانات مركزية آمنة، ونظامًا موحدًا لتوثيق الرفات وعينات الأقارب ومقارنتها، مع رقابة مستقلة على جودة النتائج.
وحذّر العبد الله من توقع معرفة مكان المفقود فور تقديم أحد أقاربه عينة وراثية. وقال إنه لا توجد حاليًا في سوريا قاعدة بيانات وراثية وطنية لمقارنة العينات، ولا مختبر متخصص لتحليل عينات العظام، ولا نظام معتمد لجمع العينات وتخزينها، فضلًا عن ارتفاع تكلفة إنشاء هذه المنظومة.
وتشمل العقبات، بحسب عبد الغني، تدهور الرفات بمرور الوقت وتعرضها للعوامل البيئية، واحتمال اختلاط رفات أشخاص عدة في المقابر الجماعية، والعبث ببعض مواقع الدفن أو انتشال الرفات بطرق غير مهنية. وتزيد صعوبة جمع عينات من عائلات المفقودين مع توزع ملايين السوريين بين سوريا وبلدان اللجوء، إلى جانب نقص المتخصصين والحاجة إلى تمويل مستدام وصيانة المعدات وتوفير المواد المخبرية وحفظ العينات دون تلوث أو اختلاط.
ودعا عبد الغني إلى حماية المقابر الجماعية ومواقع الدفن المحتملة ومنع النبش العشوائي، محذرًا من أن أخطاء استخراج الرفات أو توثيقها قد تتلف معلومات لا يمكن استعادتها وأدلة لازمة للتحقيقات الجنائية. كما حذّر من إعلان الهويات قبل استكمال التحقق العلمي لما قد يسببه الخطأ من ضرر لعائلات الضحايا.
ووفق تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان صدر في 30 أغسطس/آب 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177021 شخصًا في عداد المختفين قسرًا في سوريا منذ مارس/آذار 2011، بينهم 4536 طفلًا و8984 سيدة. وأكدت الشبكة أن هذا العدد يخص المختفين قسرًا، ولا يشمل جميع فئات المفقودين.
وقال عبد الغني إن المسؤولية الأساسية تقع على الدولة السورية، عبر تمكين الهيئة الوطنية للمفقودين من قيادة برنامج مستقل وشفاف بالتنسيق مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، والمنظمات السورية ذات الخبرة والبيانات المتراكمة. وشدد على مشاركة العائلات، والحصول على موافقتها المستنيرة عند جمع العينات، وحماية بياناتها الوراثية من استخدامها خارج الأغراض المشروعة التي جُمعت من أجلها.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!