أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، صفوت رسلان، خلال اجتماع لمجموعة العمل المالي في باريس يوم السبت، بدء تقييم وطني للمخاطر بالتعاون مع البنك الدولي، ضمن جهود سوريا لمعالجة أوجه القصور في منظومتها المالية. وقال مسؤول في الهيئة إن التقييم المتبادل للمنظومة السورية سيبدأ منتصف عام 2027، تمهيدًا للنظر في إزالتها من القائمة الرمادية، من دون أن يعني ذلك صدور قرار بإزالتها.
وقال رسلان إن سوريا ملتزمة ببناء نظام مالي أقوى وأكثر شفافية ومرونة، وتعزيز الالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأضاف أن الهدف لا يقتصر على استيفاء متطلبات الخروج من القائمة الرمادية، بل يشمل بناء منظومة قادرة على فهم المخاطر وإدارتها وتطبيق المعايير الدولية.
ومجموعة العمل المالي منظمة حكومية دولية مقرها باريس، أُسست عام 1989 بمبادرة من مجموعة الدول الصناعية السبع. وتضع معايير دولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وتقيّم التزام الدول بها. وتدرج في قائمتها الرمادية دولًا تعاني نواقص استراتيجية في أنظمة مكافحة غسل الأموال، لكنها تتعاون لمعالجتها وفق جداول زمنية متفق عليها وتخضع لمراقبة متزايدة. أما قائمتها السوداء فتضم دولًا تعاني أوجه قصور استراتيجية خطيرة، وتشمل إيران وميانمار وكوريا الشمالية.
وأوضح رسلان أن الهيئة تعمل أيضًا مع صندوق النقد الدولي على مراجعة التشريعات ذات الصلة لتعزيز توافقها مع المعايير الدولية وقابليتها للتطبيق. وفي القطاع المصرفي، قال إن العمل يشمل تطوير إجراءات التعرف إلى العملاء والتحقق من هوياتهم وأنشطتهم ومصادر أموالهم، وتحسين فحص الأسماء والمعاملات بالاستفادة من الأنظمة التقنية.
وأضاف أن نظام الدفع والتحويل الإلكتروني يدمج إجراءات تحديد المخاطر والتعرف إلى العملاء ومراقبة المعاملات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة والتحقق من قوائم العقوبات. وقال إن الهيئة تستكمل إعداد قرار ينظم التزامات قطاعات أعمال ومهن غير مالية محددة، لتوسيع نطاق تطبيق متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأشار رسلان إلى زيارة وفد رفيع المستوى من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دمشق في يوليو/تموز، وإجراء حوار بشأن استعدادات سوريا للتقييم المتبادل. وقال إن سوريا تواصل المشاركة في أعمال المجموعة الإقليمية وتقديم تقارير طوعية ضمن مراجعة التعاون الدولي. كما رحّب بمبادرة لمراجعة صياغة البيان المتعلق بالدول التي لم تتقدم في مسار تلك المراجعة، ومنها سوريا، معتبرًا أنها تساعد على عرض جهود هذه الدول بصورة أوضح وأكثر توازنًا.
وكانت سوريا قد أطلقت في يوليو/تموز 2026، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استراتيجية وطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، تحدد الأولويات وتربط الأهداف بنتائج قابلة للقياس.
وقال مدير التعاون الدولي في الهيئة، شفيق الدالي، لـ«الإخبارية السورية» إن سوريا تعمل على تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي، وإن تقييم منظومتها المتبادل يبدأ منتصف العام المقبل تمهيدًا للنظر في إزالتها من القائمة الرمادية. وأضاف أن المجموعة الإقليمية أكدت أن سوريا تسير على المسار الصحيح.
وفي تحليل لمسار التقييم، قال أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة عبد الرحمن محمد، في تصريح لـ«سوريا الآن»، إن الإزالة لا تستند إلى قائمة معايير تُطبّق آليًا. وأوضح أن التقييم يقيس الامتثال لتوصيات مجموعة العمل المالي، بما يشمل الإطار القانوني والمؤسسي لوحدة التحريات المالية، وقدرتها على تلقي البلاغات وتحليلها وتبادلها، وجودة الرقابة على المصارف والأعمال غير المالية، وفعالية الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، والتعاون الدولي في التحقيقات واسترداد الأموال.
ورأى محمد أن بلوغ الجاهزية للتقييم ممكن نظريًا، لكن الإزالة الفعلية قبل منتصف العام المقبل غير مرجحة؛ إذ يستغرق التقييم وقتًا، ثم تُناقش نتائجه وقد تُمنح سوريا مهلة لمعالجة أوجه القصور. وقال إن دولًا مماثلة احتاجت إلى أشهر إضافية بعد التقييم، وإن السيناريو الأكثر واقعية هو إتمامه في موعده ثم تنفيذ خطة تصحيحية قد تمتد إلى ما بعد منتصف العام.
واعتبر محمد أن أبرز العقبات تتمثل في محدودية علاقات المصارف السورية بالمصارف المراسلة بعد سنوات العزلة والعقوبات، والحاجة إلى بناء قدرة رقابية مؤسسية لا تقتصر على سنّ التشريعات. وبحسب تحليله، فإن بقاء سوريا على القائمة الرمادية يدفع المؤسسات المالية الدولية إلى تدقيق إضافي في المعاملات المرتبطة بها، ما يزيد كلفة التحويلات ومدتها ويجعل مصارف مراسلة تتحفظ على التعامل. وتوقع أن تتيح الإزالة، إذا تحققت، عودة تدريجية للخدمات المصرفية، وخفض كلفة تحويلات المغتربين، وتحسين علاقات المراسلة والتصنيف السيادي وتكلفة المخاطر، بما ييسّر التمويل التجاري والاستثماري ومشاركة المؤسسات المالية الدولية في إعادة الإعمار.
وشدد محمد على أن أهمية الخروج من القائمة لا تقتصر على موعد الإزالة، بل على أن تصبح إجراءات مكافحة غسل الأموال جزءًا من العمل الاقتصادي اليومي.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!