تبادلت بولندا وروسيا تصريحات عن احتمال مواجهة عسكرية مباشرة، بعدما قال مساعد الرئيس الروسي نيكولاي باتروشيف في 15 سبتمبر 2026 إن موسكو ستستخدم «كامل ترسانة القوات والوسائل المتاحة لديها» إذا دخلت بولندا في أعمال عسكرية ضد روسيا، مضيفا أن الدولة البولندية قد «تتوقف عن الوجود خلال يومين إلى ثلاثة أيام». وجاء ذلك ردا على وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، الذي قال إن حلف شمال الأطلسي «الناتو» قادر على هزيمة روسيا بسرعة إذا اندلعت مواجهة مباشرة.
وخلال اجتماع للاستراتيجية الأوروبية في كييف، قال سيكورسكي إن أوروبا تملك «تفوقا ساحقا» على روسيا في القوة الجوية، مشيرا إلى أن عدد طائراتها يبلغ نحو 2500 طائرة، وأن هذا التفوق سيستمر حتى من دون مشاركة الولايات المتحدة. وأضاف أن الدول الأوروبية تمتلك مقاتلات إف-35 وصواريخ JASSM وقدرات أخرى للضربات بعيدة المدى.
وقال الوزير البولندي إن دول أوروبا ستكون قادرة، إذا هاجمت روسيا حلف الناتو وقررت استخدام كامل قدراتها، على هزيمة موسكو «بسرعة كبيرة». وقارن كذلك بين الضربات الأوكرانية التي تستهدف قطاع تكرير النفط الروسي والقدرات الأوروبية، معتبرا أن أوروبا يمكنها تدمير ما تبقى من طاقة التكرير الروسية خلال أسابيع.
واتهم باتروشيف سيكورسكي بالتقليل من القدرات العسكرية الروسية، ووصف تقييمه للقوة الروسية بأنه «هاو»، قائلا إن القوات المسلحة الروسية لا تستخدم كامل قدراتها في الحرب الدائرة في أوكرانيا، بحسب الرواية الروسية. وتعكس التصريحات انتقال الخطاب بين الطرفين من التحذيرات السياسية إلى الحديث عن قدرة كل منهما على إلحاق هزيمة واسعة بالآخر.
هجوم قرب الحدود البولندية
يتزامن التصعيد الكلامي مع اقتراب آثار الحرب الروسية على أوكرانيا من الأراضي البولندية. ففي 13 سبتمبر، أصابت طائرة مسيرة روسية قطار ركاب قرب محطة ياهودين في غرب أوكرانيا، على بعد يقارب كيلومترين من الحدود مع بولندا. وكان القطار متجها من كييف إلى وارسو، ولم تسجل إصابات بين الركاب بعدما أُجلوا في الوقت المناسب.
وأثار الهجوم قلقا في وارسو، ولا سيما أن قطارا دبلوماسيا مر بالموقع قبل وقت قصير من الهجوم وكان على متنه مسؤولون وشخصيات سياسية أوروبية، بينهم رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق بوريس جونسون. وقالت شركة السكك الحديدية الأوكرانية إن القطار الدبلوماسي ربما كان هدفا محتملا، من دون تقديم دليل حاسم.
وأكدت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربات على بنية السكك الحديدية في غرب أوكرانيا، وقالت إن أهدافها مرتبطة بنقل شحنات عسكرية آتية من دول أوروبية، من دون الإشارة إلى استهداف قطار ركاب أو دبلوماسيين.
وعقب الهجوم، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن «التصعيد من الجانب الروسي أصبح واقعا»، وإن أمثلة اقتراب الحرب من حدود بولندا باتت أكثر من أي وقت مضى. وقال سيكورسكي: «بوتين يصعد». ورفعت بولندا مستوى الجاهزية الجوية والدفاعية في مواجهة النشاط العسكري الروسي قرب الحدود، فيما حذر مسؤولون في وارسو من احتمال تزايد التحركات الروسية بالمناطق القريبة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
إرث تاريخي بين بولندا وروسيا
تكتسب الأزمة حساسية إضافية بسبب تاريخ العلاقة بين بولندا وروسيا، الممتد لأكثر من قرنين والذي يشمل فقدان الدولة والاستقلال، والحروب والاحتلال والترحيل والإعدامات الجماعية، ثم عقودا من الهيمنة السوفيتية.
وتعود جذور العداء إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين كانت بولندا ضمن الكومنولث البولندي-الليتواني. وبين أعوام 1772 و1793 و1795، قسمت روسيا وبروسيا والنمسا بولندا في ثلاث عمليات، وانتهى ذلك باختفاء الدولة البولندية من الخريطة عام 1795 لمدة 123 عاما. واستحوذت روسيا على الحصة الأكبر من الأراضي المقتطعة، ما جعلها في الذاكرة البولندية قوة إمبراطورية شاركت في القضاء على الدولة.
وبعد الثورة الروسية وانهيار الإمبراطورية الروسية، استعادت بولندا استقلالها عام 1918، ثم خاضت حربا مع روسيا السوفيتية بين 1919 و1921. وفي عام 1920 تقدم الجيش الأحمر باتجاه وارسو، لكن القوات البولندية أوقفت الهجوم في معركة عرفت باسم «معجزة على نهر فيستولا». وأنهت معاهدة ريغا عام 1921 الحرب ومنحت بولندا مناطق واسعة شرقي حدودها الحالية، في أراض أصبحت لاحقا جزءا من بيلاروس وأوكرانيا.
وفي 23 أغسطس 1939، وقعت ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي اتفاق مولوتوف-ريبنتروب، وهو معاهدة عدم اعتداء تضمن بروتوكولا سريا لتقسيم مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية. وغزت ألمانيا النازية بولندا من الغرب في 1 سبتمبر، ثم دخل الجيش السوفيتي من الشرق في 17 سبتمبر، فتقسمت الأراضي البولندية بين القوتين خلال أقل من ثلاثة أسابيع، في حدث يشار إليه أحيانا باسم «التقسيم الرابع لبولندا».
وبعد سيطرة الاتحاد السوفيتي على شرق بولندا، نفذت السلطات السوفيتية اعتقالات وترحيلا واسعين استهدفا ضباطا وموظفين حكوميين ومثقفين وأسرهم وفئات أخرى اعتبرتها معادية. وتشير سجلات تاريخية إلى اعتقال أكثر من 100 ألف شخص وترحيل مئات الآلاف من البولنديين إلى داخل الاتحاد السوفيتي بين 1939 و1941، بما في ذلك أسر نقلت إلى سيبيريا ومناطق أخرى.
وفي ربيع 1940، نفذ جهاز الأمن السوفيتي NKVD إعدامات جماعية بحق أسرى وضباط بولنديين وأفراد من الشرطة والنخبة المدنية، في ما عرف باسم «مجزرة كاتين». وتشير مصادر تاريخية بولندية إلى مقتل أكثر من 22 ألف بولندي في كاتين ومواقع أخرى، بينها كالينين وخاركيف. واستهدفت العملية خصوصا ضباط الجيش والشرطة، وهو ما جعلها في الذاكرة البولندية محاولة لضرب جانب من القيادة الاجتماعية والسياسية للبلاد. وظل الاتحاد السوفيتي ينكر مسؤوليته لعقود ويلقي بها على ألمانيا النازية، قبل أن تقر القيادة السوفيتية رسميا بالمسؤولية عام 1990.
ويفصل تاريخ الحرب العالمية الثانية بين القمع السوفيتي للبولنديين والجرائم النازية ضد بولندا واليهود. فقد كان الاحتلال النازي أكثر تدميرا وشمولا للسكان البولنديين، إذ شن النازيون حملة منهجية ضد الدولة والمجتمع والنخبة البولندية، وقتلوا أعدادا كبيرة من المدنيين وأقاموا الغيتوهات ومعسكرات الإبادة في الأراضي البولندية المحتلة، حيث قتل ملايين اليهود الأوروبيين. وبعد غزو عام 1939، تشكلت حكومة بولندية في المنفى واستمر الجيش البولندي في القتال إلى جانب الحلفاء ضد ألمانيا، فيما بقيت العلاقة مع موسكو شديدة التعقيد.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!