اتهمت جماعة «الغرباء»، التي تضم مقاتلين فرنسيين في سوريا، السلطات السورية في 7 أكتوبر بالتحضير لهجوم على مخيمها في حارم، مستندة إلى أعمال هدم وتحركات عسكرية قالت إنها رصدتها قربه. ولم يصدر تعليق رسمي يوضح طبيعة الأعمال الجارية أو أهدافها، ولا يثبت ما أوردته الجماعة وجود خطة لاقتحام المخيم.
قالت الجماعة إن منازل مهجورة ومنشآت في محيط المخيم هُدمت، وإن رشاشا ثقيلا تمركز في الجهة المقابلة، كما أشارت إلى رصد طائرة استطلاع في المنطقة. وفسّرت ذلك بأنه تمهيد لهجوم محتمل. وذكرت في بيانها أنها تتعرض لحصار منذ ثلاثة أشهر، واتهمت السلطات بمنع إدخال الغذاء واعتقال مدنيين سوريين يعملون في المخيم.
في اليوم التالي لبيان الجماعة، أعلن مهاجرون أوزبك تضامنهم معها واستعدادهم للدفاع عنها. وكانت اشتباكات قد وقعت بينها وبين قوات الحكومة السورية في أكتوبر 2025، وانتهت باتفاق تهدئة ووقف لإطلاق النار. وسبق أن أعلن بعض المقاتلين مساندتها خلال تلك الاشتباكات.
نصح أبو يحيى الشامي، القاضي الشرعي السابق في «هيئة تحرير الشام»، المقاتلين الأجانب بالالتحاق بوزارة الدفاع السورية أو تجنب الصدام مع السلطات. وقال إنه لا يرى سياسة حكومية ممنهجة ضدهم، محذرا من تبعات التصعيد والتحريض. وفي سبتمبر الماضي، دعا الداعية عبد الرزاق المهدي هؤلاء المقاتلين إلى تجنب الصدام والانضمام إلى المؤسسات السورية أو العمل في الدعوة والتجارة.
جماعة مستقلة داخل مخيم
تضم «الغرباء» نحو 70 مقاتلا فرنسيا من أصول مختلفة. أسسها في منتصف 2013 عمر أومسن، المعروف أيضا بعمر ديابي، وهو فرنسي من أصول سنغالية. نشطت الجماعة في غابات اللاذقية قبل أن تستقر في مخيم معزول شمالي إدلب. ويُعد أومسن من أبرز من جنّدوا مقاتلين ناطقين بالفرنسية توجهوا إلى سوريا أو العراق.
أومسن مدرج على قائمة عقوبات الأمم المتحدة، وجمّدت فرنسا أصوله وأصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية. واعتقلته «هيئة تحرير الشام» أكثر من مرة على خلفية قضية حضانة عائلية ولأسباب تنظيمية، واشترطت عليه ألا يشكّل كيانا عسكريا خاصا به في سوريا. وتعود الخلافات بين جماعته والهيئة إلى الفترة التي كانت تدير فيها الهيئة إدلب قبل سقوط نظام بشار الأسد.
تقدّر مراكز أبحاث وخبراء عدد المقاتلين الأجانب في سوريا، بعد تراجعه خلال السنوات الماضية، بما بين 5000 و8000 مقاتل. ويُعد الإيغور أكبر فئة بينهم، إذ يشكلون نحو ثلثي المقاتلين الأجانب عند احتساب عائلاتهم، وفق التقديرات الواردة في المادة.
قال الباحث في الحركات الإسلامية حسام جزماتي إن سبع سمات تجعل التعامل مع «الغرباء» أكثر تعقيدا. وأشار إلى تماسكها خلف أومسن داخل معسكر يضم بضع عشرات من الرجال والنساء والأطفال، وإلى رفضها الانخراط في أجهزة السلطة العسكرية أو المدنية، بخلاف مجموعات أوزبكية انقسم أفرادها بين الانضمام إلى وزارة الدفاع والبقاء مستقلين.
وأضاف أن للجماعة اقتصادا صغيرا يوفر لها قدرا من الاكتفاء، وأنها تدير بنفسها مخيما مسوّرا يضم مرافق بينها مدرسة للأطفال ومتجر بقالة. وقال إن الرواتب دفعت، في المقابل، عددا من المقاتلين الأجانب الآخرين إلى الانضمام لوزارة الدفاع. وتنتقد الجماعة، بحسبه، توجه السلطات السورية نحو الغرب وما تعتبره تساهلا في القضايا الإسلامية، بينما تتباين مواقف مجموعات أجنبية أخرى من سياسات السلطات.
ومن سماتها أيضا، وفق جزماتي، امتلاك وسيلة إعلامية غير منتظمة تصدر بيانات وتنتج أفلاما وثائقية قصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي، واحتفاظها بعلاقات مع مقاتلين أجانب آخرين، بينهم أوزبك مستقلون. وخلال اشتباكات أكتوبر 2025، تدخل أوزبك منضوون في وزارة الدفاع، إلى جانب متحالفين مع التركستان، للمصالحة برعاية قائد الفرقة 84 «أبي محمد التركستاني». وعدّ جزماتي اعتقالات أومسن السابقة دليلا على عمق خلافه مع السلطة الحالية. وقال إن أفراد الجماعة ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين في فرنسا، ومعظمهم من أصول أفريقية، وإن معرفتهم ببعض القوانين تدفعهم، في تقديره، إلى تجنب تنفيذ عمليات إرهابية خشية استهدافهم.
خلاف بشأن الاندماج
منذ سقوط نظام الأسد، عملت السلطات السورية على ضم المقاتلين الأجانب إلى تشكيلات الجيش الجديد وتبديد مخاوف دول من تحولهم إلى تهديد أمني. وجُمِع معظمهم تحت مظلة الفرقة 84، التي تتبع لها «الغرباء» نظريا من دون أن تخضع لها فعليا.
يرى سمير العبد الله، الباحث الأول في «المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة»، أن احتفاظ بعض المقاتلين بهويات تنظيمية وولاءات مستقلة يكشف حدود سياسة دمجهم، ولا سيما مع جمع القسم الأكبر منهم في فرقة واحدة. وبخلاف تقييم جزماتي لموقف الجماعة، قال العبد الله إن هناك مؤشرات إلى أنها لا ترفض الاندماج، وإن ما يشير إلى ارتباطها بالفرقة 84 يبرز الفرق بين التبعية العسكرية بالاسم والخضوع الفعلي للمؤسسة، ما دامت تحتفظ بمخيم مستقل.
وعزا العبد الله تعثر احتوائها إلى انعدام ثقة تراكم خلال مرحلة إدلب، بما في ذلك اعتقال أومسن، وإلى اعتراضها على انفتاح دمشق على الغرب وتوجهات السلطات الجديدة. وأضاف أن شبكات التضامن بين المقاتلين الأجانب لا تزال قائمة، وأن الدمج لم يحسم الوضع القانوني للجماعة، وسط مخاوف لدى بعض أفرادها من تسليمهم إلى بلدانهم مع تقارب السلطات السورية مع الغرب. ودعا إلى وضع هيكلية واضحة للجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وتسوية الوضع القانوني للأجانب داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها.
وقالت سيلفيا كارينتسي، الباحثة المشاركة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، إن دعوات شخصيات دينية، بينها عبد الرزاق المهدي، إلى تجنب الاشتباك والتوجه إلى أعمال مثل التجارة، تمثل أحد الخيارات للتعامل مع الجماعة ومؤيديها الأوزبك. ورأت أن وساطة تقنع الجماعة أو جزءا كبيرا منها قد تجنب الطرفين المواجهة، لكن انتقاداتها الحادة لسياسات السلطات السورية تصعّب التوصل إلى حل وسط. وأضافت أنه إذا تعذر الحل السلمي، فقد تلجأ السلطات إلى خيارات أخرى، من بينها تفكيك المخيم.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!