عاد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى حملات الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وظهر قبل أيام أمام أكثر من 4300 شخص في ديترويت بولاية ميشيغان لدعم مرشح مجلس الشيوخ عبد الرحمن السيد، المعروف بعبدول. ويأتي دعمه للسيد، الذي سبق أن انتقد سياساته، ضمن نشاط انتخابي يشمل مرشحين من أجنحة مختلفة في الحزب.
غادر أوباما البيت الأبيض قبل نحو 10 سنوات وسط انقسام ديمقراطي بشأن إرثه: رأى وسطيون في تجربته نموذجًا، فيما اتهمه يساريون بالتراجع عن وعوده بالتغيير. وكان السيد من منتقديه؛ إذ اتهمه في تعليقات نشرها عام 2012 بمواصلة حروب بدأت في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش، وانتهاك الحريات المدنية، وترحيل مهاجرين، ووصف إصلاحه للنظام الصحي بأنه تنازل لشركات التأمين. وقال لاحقًا إن سنوات حكم أوباما الثماني لم تحقق التغيير الذي وعد به.
في خطاب ديترويت، دافع أوباما عن مطالب السيد الاقتصادية والاجتماعية، متسائلًا عن سبب اعتبار المطالبة بالرعاية الصحية والسكن الميسور للجميع تطرفًا. وتناول انتقادات السيد السابقة، قائلًا إن الاختلاف في الوسائل لا يعني الاختلاف في الغايات، وإن الخلاف بين أشخاص يتشاركون القيم الأساسية أمر طبيعي في الديمقراطية. وقبل ذلك بأسبوعين، استند خلال حفل لجمع التبرعات في فرجينيا إلى إرث الرئيس الديمقراطي الراحل فرانكلين روزفلت للدفاع عن مطالب السيد برفع الحد الأدنى للأجور وتوفير الرعاية الصحية للجميع، معتبرًا أنها ليست غريبة عن تقاليد الحزب.
ويختلف ذلك عن خطاب أوباما عام 2019، حين حذّر الديمقراطيين من الاندفاع إلى الحديث عن الثورة والتغيير الجذري، وقال إن الأمريكيين يريدون تحسين النظام بدلًا من هدمه وإعادة بنائه.
ويمتد تواصل أوباما مع الوجوه التقدمية إلى زهران ممداني. ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، تحدث معه هاتفيًا نحو نصف ساعة بينما كان يستعد لخوض انتخابات عمدة نيويورك، وأشاد بحملته وعرض تقديم المشورة له مستقبلًا. وظهر الاثنان في أبريل/نيسان الماضي داخل مركز لرعاية الأطفال في حي برونكس دعمًا لتوسيع خدمات الحضانة المجانية. وقال أوباما لمجلة «نيويوركر» إن ممداني أكثر عزمًا منه على الحديث عن صعوبات تحمّل تكاليف المعيشة، وإن دوره الأهم الآن مساعدة جيل جديد من القادة على الظهور.
والتقى أوباما في مايو/أيار جيمس تالاريكو، مرشح الحزب لمجلس الشيوخ عن تكساس، الذي يجمع في خطابه بين المسيحية التقدمية والمطالب الاقتصادية والاجتماعية. كما ظهر في إعلان لدعم جوش توريك، مرشح مجلس الشيوخ في آيوا، في إطار دعمه وجوهًا صاعدة خارج معاقل الديمقراطيين التقليدية.
ودافع أوباما أيضًا عن النائبة إلهان عمر في مواجهة تحقيقات تجريها إدارة الرئيس دونالد ترمب بهدف سحب جنسيتها الأمريكية. وقبل نحو أسبوعين، وبعد تفتيش السلطات الفدرالية منزلها في واشنطن ضمن تحقيق يتعلق بوثائق هجرة تعود إلى عقود، اتهم أوباما إدارة ترمب في بيان على منصة «إكس» باستخدام سلطات الدولة لترهيب مسؤولة منتخبة بسبب انتقادها الرئيس. وحذّر من اعتياد ملاحقة الخصوم السياسيين، وقال إن رفض استخدام السلطات الفدرالية لمعاقبة المعارضين واجب بصرف النظر عن الاتفاق مع آرائهم.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إس إس آر إس» لصالح شبكة «سي إن إن» في مايو/أيار الماضي أن 57% من الأمريكيين يقيّمون أوباما إيجابيًا، مقابل 34% لترمب و30% للرئيس السابق جو بايدن. وبلغت النسبة بين الديمقراطيين 96% لأوباما، مقابل 71% لبايدن. وحتى 9 أكتوبر/تشرين الأول، جمع أوباما نحو 13.6 مليون دولار للجان الحزب الديمقراطي خلال الدورة الانتخابية الحالية، وسجّل قرابة 24 إعلانًا ورسالة دعم لمرشحين في ولايات مختلفة.
ولا يقتصر دعم أوباما على التقدميين؛ فقد ساند أيضًا مرشحين من التيار التقليدي، بينهم جون أوسوف في جورجيا وجوش شابيرو في بنسلفانيا. ويشير تنوع المرشحين الذين يدعمهم إلى سعيه للتقريب بين الأجيال والتيارات داخل الحزب، لا إلى التخلي عن قياداته التقليدية.
وفي مقابلة مع شبكة «إيه بي سي» في يونيو/حزيران الماضي، شبّه أوباما انتقاله من خوض المنافسة بنفسه إلى تشجيع الجيل المقبل من القيادات بالانتقال من دور «اللاعب» إلى «المدرب». كما عقد اجتماعًا مع 35 وجهًا صاعدًا في الحزب، وحثّهم على عدم الاستسلام للإحباط، مستعيدًا تجربة الديمقراطيين بعد خسارة انتخابات الرئاسة عام 2004، قبل وصوله إلى السلطة بعد 4 أعوام.
ويتزامن ذلك مع استعداد الديمقراطيين للمنافسة على ترشيح الحزب للرئاسة في انتخابات 2028. وتشير تقارير إلى أن شخصيات بارزة تفكر في الترشح تسعى للحفاظ على صلاتها بأوباما، من دون أن يُظهر هو رغبة في تأييد مبكر لأي مرشح.
ويرى الكاتب ديفيد غراهام، في مقال بمجلة «ذا أتلانتيك»، أن أوباما بات أكثر استعدادًا من قيادات الحزب التقليدية لاحتضان المرشحين التقدميين رغم خلافاته الفكرية معهم؛ فهو ينتقد الدعوات إلى الالتزام الصارم بمواقف اليسار وشعارات مثل «خفض تمويل الشرطة»، لكنه ينتقد أيضًا تردد القيادات الديمقراطية التقليدية في الدفاع عن قناعاتها. ويطرح غراهام احتمالين لتفسير هذا الموقف: أن أوباما، الذي واجه هجمات عنصرية واتهامات بالاشتراكية، يرى شيئًا من تجربته في السيد وممداني، اللذين واجها هجمات معادية للمسلمين؛ أو أنه يرى مستقبل الحزب آخذًا في التشكل خارج قياداته التقليدية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!