وثّق مركز «سجل» 280 انتهاكًا إسرائيليًا في جنوب سوريا خلال سبتمبر 2026، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية التوغل في محافظة القنيطرة وريفي درعا ودمشق الغربيين. ويرى خبراء عسكريون وباحثون أن هذه التحركات تستهدف إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية وفرض شروط إسرائيلية على أي ترتيبات أمنية محتملة مع دمشق.
وقال المركز، المختص بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا، إن حصيلة سبتمبر ارتفعت بنحو 5% مقارنة بأغسطس، الذي شهد 267 انتهاكًا. وبلغ عدد الانتهاكات التي رصدها من بداية يناير حتى نهاية سبتمبر 2026 نحو 2032 انتهاكًا. وتشمل التحركات التي أوردها التقرير توغلات واعتقالات وتجريف أراضٍ زراعية وحفر خنادق وإقامة تحصينات.
ويرى خبراء عسكريون أن إسرائيل تسعى إلى تبني نهج يقوم على التحرك الوقائي داخل الأراضي السورية، بدل الاكتفاء بخطوط الدفاع التقليدية، وإقامة شريط عازل لمنع نشوء تهديدات عسكرية قرب حدودها. وقال العقيد السوري والخبير العسكري هشام مصطفى، في تصريح لـ«سوريا الآن»، إن إسرائيل تسعى إلى «إعادة هندسة الجغرافيا العسكرية للمنطقة» بنقل ثقلها الدفاعي إلى عمق الأراضي السورية. وأضاف أنها تهدف أيضًا، بحسب تقديره، إلى منع إعادة بناء الجيش السوري وتمركز قوى إقليمية منافسة، مثل تركيا، قرب خطوط التماس.
وفي أغسطس، أظهر تحليل للجزيرة استند إلى صور أقمار صناعية وخرائط أن الجيش الإسرائيلي تجاوز خط «ألفا»، الفاصل بين الأراضي التي تحتلها إسرائيل والمنطقة العازلة، ووصل إلى خط «برافو» على الجانب السوري منها، في خرق لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974. وبحسب التحليل، سيطر الجيش الإسرائيلي على 235 كيلومترًا مربعًا داخل المنطقة العازلة، وتوغل في أكثر من 800 نقطة في محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق.
وقال الباحث السياسي مصطفى النعيمي لـ«سوريا الآن» إن التوغلات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 تهدف، في تقديره، إلى فرض أمر واقع داخل سوريا واستعادة صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر. ووصف العمليات التي يسميها الجيش الإسرائيلي استباقية بأنها وسيلة للضغط المباشر على السلطات السورية، مشيرًا إلى تجريف التربة وإنشاء نقاط عسكرية واعتقال مدنيين. ورأى أن استمرار التوتر في الجنوب السوري يقوّض فرص الاستقرار المحلي والإقليمي والدولي.
وأشار مصطفى إلى أعمال تجريف واستحداث نقاط عسكرية تجري بصورة شبه يومية على امتداد خط مشروع «سوفا 53». وهو مشروع هندسي عسكري تنفذه القوات الإسرائيلية في منطقة فض الاشتباك بريف القنيطرة. بدأ العمل فيه منتصف 2022 من أطراف بلدة حضر باتجاه جباتا الخشب والحميدية شمالي القنيطرة، ثم القحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة في الريف الأوسط، وصولًا إلى العشة جنوبًا.
واستأنفت إسرائيل تنفيذ المشروع بوتيرة متسارعة أواخر 2024، بعد سقوط نظام الأسد. وبررت تحركاتها باعتبارات أمنية وعدم ثقتها بالسلطات السورية الانتقالية، بينما رأى باحثون أنها تسعى إلى تكريس واقع أحادي الجانب. وبحسب مركز «سجل»، يتضمن المشروع طريقًا بعرض 8 أمتار، تحصنه سواتر ترابية بارتفاع 5 أمتار، مع نقاط مراقبة وخنادق على امتداد مساره في المنطقة العازلة بمحاذاة الجولان المحتل.
ويرى مصطفى أن للتحركات الإسرائيلية بعدًا سياسيًا داخليًا يتصل بسعي قادة معسكرات سياسية إلى كسب تأييد الناخبين، فضلًا عن هدف يتمثل في تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الترتيبات الحدودية والمناطق العازلة قبل أي مفاوضات مقبلة. ويتوقع النعيمي استمرار التوغلات بوتيرة متفاوتة سعيًا إلى مكاسب، بينها اتفاق أو تفاهم مع دمشق. لكنه يرى أنها قد تتحول إلى عامل ضغط إقليمي ودولي على إسرائيل بسبب مخالفتها الاتفاقيات والتفاهمات الدولية.
وفي سبتمبر، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن دمشق عقدت عدة جلسات تفاوض مع إسرائيل، مضيفًا: «كلما اقتربنا من الاتفاق بنسبة 90%، تتراجع تل أبيب عند تلك النقطة لأسباب مختلفة». وأكد، خلال جلسة حوارية في نيويورك أدارها المسؤول الأمريكي السابق بريت ماكغورك ونظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي، تمسك دمشق بالدبلوماسية، وأن حماية أمن السوريين وحقوقهم تسبق الحديث عن سلام دائم. وقال إن السلطات السورية اختارت مواجهة الاعتداءات بالحوار والمفاوضات، والاستعانة بدول صديقة، بينها الولايات المتحدة، للضغط على إسرائيل.
وأشار النعيمي إلى تصريحات للمبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم براك بشأن أهمية سيطرة السلطات السورية على كامل أراضي البلاد. ورأى أن الموقفين الأمريكي والإسرائيلي من أحداث الجنوب السوري متباينان، معتبرًا أن واشنطن تدعم عودة القيادة السورية إلى المحافل الدولية من دون أن توقف التوغلات الإسرائيلية. وفي 20 أكتوبر، أشاد براك، خلال منتدى الأمن العالمي في الدوحة، بإدارة الشرع للمرحلة الانتقالية في ظل ظروف وصفها بالمعقدة والصعبة، ودعا إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!