واصل الملك تشارلز الثالث، الخميس، جولته التي تستمر تسعة أيام في منطقة الكاريبي وسط مطالبات ناشطين باعتذار رسمي عن دور العائلة المالكة البريطانية التاريخي في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، ودعم التعويضات. وخلال زيارته جزر البهاما، رفع محتجون لافتات تطالب بتعويضات، فيما قال قصر باكنغهام إن الملك لن يقدم اعتذارًا رسميًا.
بدأ تشارلز جولته الثلاثاء في جزر البهاما، حيث خاطب مئات الشبان وأقر بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة. وقال إن جوانب من ثقافة جزر البهاما نشأت وسط المعاناة، وإن من الواجب الاعتراف بما شهدته الجزر وغيرها من مظالم، إلى جانب الاحتفاء بإنجازات الحاضر وبناء فرص للمستقبل.
وشارك الملك الأربعاء في موكب «جونكانو» بشوارع العاصمة ناسو، وسط مؤدين يرتدون أزياء مزخرفة وأغطية رأس من الريش. وبالقرب من الاحتفالات، رفع محتجون لافتات تطالب بدفع ما يرونه مستحقًا لهم تعويضًا عن ضلوع المملكة المتحدة في تجارة الرقيق عبر الأطلسي على مدى قرون.
وقالت نيامبي هول كامبل-دين، رئيسة اللجنة الوطنية للتعويضات في جزر البهاما، لصحيفة «الغارديان» الأربعاء إن تصريحات الملك لم تلبِّ مطالب الناشطين، ووصفتها بأنها «عبارات جوفاء»، مضيفة أنهم «يستحقون أكثر بكثير مما قُدم».
وأوضح قصر باكنغهام أن قرارات الاعتذار الرسمي عن العبودية تعود إلى حكومة المملكة المتحدة، لا إلى العائلة المالكة، لكنه قال إن تشارلز لن يتجنب النقاشات الأوسع بشأن دور المملكة المتحدة. وكان من المقرر أن يزور الملك غيانا الخميس، قبل التوجه إلى أنتيغوا وبربودا لحضور اجتماع لقادة دول الكومنولث البريطاني يُتوقع أن يناقشوا فيه إرث العبودية.
ويرى خبراء أن القلق من احتمال نشوء مطالبات قانونية بالتعويضات يفسر امتناع العائلة المالكة عن الاعتذار الرسمي، لما قد يترتب عليها أو على حكومة المملكة المتحدة من مطالب مالية كبيرة. وقالت المحامية والخبيرة في التعويضات إستر ستانفورد-خوسي لشبكة «CBS News» عام 2023 إن الاعتذار قد ينشئ التزامًا قانونيًا بالتعويض، وقد يكلف النظام الملكي المال والمكانة. وجاء تصريحها في الفترة التي أقر فيها كتاب الأمير هاري «سبير» بأن العائلة استفادت من تجارة الرقيق.
بين القرنين 15 و19، نُقل نحو 5 ملايين أفريقي مستعبد إلى منطقة الكاريبي، منهم أكثر من مليونين إلى المستعمرات التابعة للمملكة المتحدة، حيث عملوا في مزارع السكر والبن والقطن في ظروف قاسية. ووثّق مؤرخون استثمارات للملك تشارلز الثاني وشقيقه جيمس في «الشركة الأفريقية الملكية»، التي نقلت أفارقة مستعبدين عبر الأطلسي.
وعندما أُلغيت العبودية في معظم أنحاء الإمبراطورية التابعة للمملكة المتحدة عام 1834، خصصت حكومتها 20 مليون جنيه إسترليني لتعويض مالكي المستعبدين، دون تعويض المستعبدين أنفسهم. وبحسب أحد التقديرات، تعادل تلك القيمة 23 مليار دولار بأموال اليوم. وكانت التعويضات جزءًا من تسوية سياسية ساعدت على إقرار الإلغاء.
ولاحقًا، أدت المملكة المتحدة دورًا كبيرًا في مكافحة تجارة الرقيق الدولية خلال القرن 19. فقد اعترض سرب تابع لبحريتها قبالة غرب أفريقيا أكثر من 1600 سفينة لتجارة الرقيق، وحرر نحو 150 ألف أفريقي بين عامي 1808 و1869. وقدّرت دراسة أن جهودها الأوسع لمكافحة العبودية كلفتها سنويًا ما يعادل 1.8% من دخلها القومي خلال تلك الفترة.
واشتد النقاش بشأن التعويضات في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد احتجاجات حركة «حياة السود مهمة» العالمية عام 2020، التي أعادت التدقيق في الماضي الاستعماري للمملكة المتحدة وصلات العائلة المالكة التاريخية بالعبودية. وكانت رئيسة وزراء بربادوس ميا موتلي من أبرز المطالبين بتعويضات تشمل الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية.
وقال هيلاري بيكلز، رئيس لجنة التعويضات التابعة للجماعة الكاريبية، لصحيفة «الغارديان» إن سكان المنطقة يريدون إنصافًا يبدأ بإبداء الندم. ودعا تشارلز إلى تقديم دعم للشباب الذين يلتقيهم خلال جولته. في المقابل، رفض الخبير الاقتصادي من بربادوس رشيد غريفيث فكرة التعويضات المباشرة، وقال لشبكة «CBS News» إن قادة المنطقة يحمّلون المملكة المتحدة مسؤولية إخفاقاتهم الاقتصادية بدلًا من معالجة سياساتهم المالية.
وكان تشارلز قد وصف العبودية عام 2021، خلال انتقال بربادوس إلى النظام الجمهوري، بأنها «فظاعة مروعة» تترك أثرًا دائمًا في تاريخ المملكة المتحدة. وواجه الأمير وليام وزوجته كيت احتجاجات ومطالب بالتعويضات خلال جولة في الكاريبي عام 2022؛ وأعرب وليام عن حزنه الشديد ووصف العبودية بأنها بغيضة، لكنه لم يقدم اعتذارًا رسميًا. وتضم جولة تشارلز دولًا كانت مستعمرات تابعة للمملكة المتحدة، ولا يزال عدد منها، بينها جزر البهاما وأنتيغوا وبربودا، يعتمد نظام الملكية الدستورية ويعد تشارلز رئيسًا للدولة، رغم نيله الاستقلال قبل عقود.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!