مع دخول الحرب شهرها التاسع، لم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع قبضة النظام الإيراني على السلطة تحت وطأة الحصار الأمريكي، رغم تفاقم الأعباء المعيشية. وخلص دبلوماسيون ومحللون تحدثوا إلى صحيفة فايننشال تايمز إلى أن الحرب عززت ثقة النظام وتماسكه، خلافًا لرِهان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على أن تدفعه الضغوط الاقتصادية إلى تقديم تنازلات.
وتنقل الصحيفة عن تجار ومسؤولين ومحللين أن حركة المرور والباعة عادت إلى شوارع طهران بعد أسابيع من القصف والحصار، وأن نقاط التفتيش الأمنية باتت شبه غائبة. ونقلت عن دبلوماسي غربي أن تراجع الانتشار الأمني المكثف يعكس ثقة النظام. لكن عودة الحركة إلى الشوارع لا تعني تعافي النشاط الاقتصادي أو شعور السكان بالأمان؛ فالمبيعات ضعيفة، ويسود القلق من تجدد الحرب واحتمال أن يشن ترمب ضربات واسعة بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة الثلاثاء.
وتفرض واشنطن منذ شهور حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية، إلى جانب إجراءات عقابية فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في مسعى لعزل طهران اقتصاديًا. وبحسب بيانات رسمية نقلتها وسائل إعلام إيرانية، ارتفعت أسعار المستهلكين بنحو 90% خلال سبتمبر/أيلول مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وتسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6%، في واحدة من أشد موجات ارتفاع الأسعار في إيران منذ عقود.
ووفق تقديرات رسمية أوردتها رويترز، تبلغ النفقات الشهرية الأساسية لأسرة عاملة من 3 أفراد نحو 336 دولارًا، مقابل متوسط راتب شهري يقارب 92 دولارًا بسعر الصرف في السوق الحرة؛ أي إن النفقات تزيد على متوسط الأجور بأكثر من 3 أضعاف، بينما لا تواكب زيادات الرواتب الحكومية التضخم. وتواجه الشركات اضطراب التجارة الخارجية وصعوبة الحصول على العملات الأجنبية والمواد الخام، فضلًا عن ارتفاع كلفة الواردات وتراجع القدرة الشرائية. وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الحصار البحري سبب مشكلات كبرى، وقال إن حكومته تعتمد على القدرات المحلية لمواجهتها.
ووصف مسؤول مالي إيراني كبير لفايننشال تايمز الوضع بأنه الأسوأ الذي عرفه، مشيرًا إلى أن عدم اليقين بشأن المستقبل هو المشكلة الأساسية. وفي المقابل، يرى رجال أعمال ومحللون إيرانيون أن قطع طرق التجارة تمامًا عن إيران أمر غير ممكن بسبب حدودها البرية مع 7 دول وخبرتها في الالتفاف على العقوبات. وقال العضو السابق في البرلمان الإيراني علي الساري، في تصريحات للجزيرة، إن بلاده تعتمد أيضًا على علاقاتها بدول الجوار والأسواق الآسيوية، رغم شدة الضغوط الحالية.
ولم تتحول الضغوط الاقتصادية حتى الآن إلى اضطرابات تهدد النظام، وفق خبراء. ويعزو محللون تحدثوا إلى فايننشال تايمز ذلك، ضمن عوامل أخرى، إلى إرهاق المعارضة بسبب الحرب، والخوف من الفوضى، والاعتقاد بأن الحرب تستهدف البلاد بأكملها لا النظام وحده. ونقلت الصحيفة عن مصدر من داخل النظام قوله إنه سيجد سبيلًا للتعامل مع الحصار البحري الأمريكي.
لكن مسؤولًا تنفيذيًا في قطاع الطاقة الإيراني قدّر أن أمام البلاد «قرابة 6 أشهر أخرى» قبل أن يصبح الوضع صعبًا جدًا. وأعرب عن اعتقاده بأن العالم لن يسمح لترمب بمواصلة الحرب في ظل أسعار النفط الحالية، وأن إيران تستطيع الصمود مدة أطول من الاقتصاد العالمي. وتبقى هذه تقديرات بشأن قدرة البلاد على تحمل الضغوط، لا نتيجة مؤكدة.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!