واشنطن — أثار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت إف. كينيدي الابن جدلًا جديدًا بعدما دافع، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، عن فكرته لإنشاء ما يسميه «مزارع التعافي» أو معسكرات عمل وعلاج لمواجهة الإدمان في الولايات المتحدة.
وجاءت المواجهة الأبرز عندما سألت السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ماريلاند أنجيلا ألسوبروكس كينيدي عن رؤيته لنظام وطني من «مزارع الرفاه»، ووصفت الفكرة بأنها «خطيرة» و«غير مسؤولة». ورد كينيدي بأنه لا يتذكر قول ما نُسب إليه، مضيفًا: «إذا قلت ذلك، فأنا أعتذر».
لكن كينيدي كان قد تحدث بالفعل خلال حملته الرئاسية عام 2024 عن «إعادة تربية» الأطفال الأميركيين في مزارع صحية كان يقترح إنشاءها في مجتمعات ريفية داخل الولايات المتحدة. وطرح الفكرة في مقابلة بودكاست في يونيو من ذلك العام، ثم عاد إليها في حديث آخر في يوليو، قائلًا إن هذه المجتمعات قد تساعد أطفالًا تضرروا من إدمان المخدرات في الشوارع، ومن الإفراط في وصف أدوية القلق والاكتئاب.
وفي تلك المقابلات، أشار كينيدي إلى نموذج إيطالي في علاج الإدمان هو سان باترينانو، وهي مجتمع ريفي يقع خارج كورّيانو في إيطاليا، ويضم نحو 850 شخصًا جميعهم في مرحلة التعافي من إدمان الكحول والمخدرات. وقال كينيدي إن هذا النموذج هو ما يريد نقله إلى الولايات المتحدة.
سان باترينانو، التي تأسست عام 1978، تمتد على نحو 700 فدان في الريف الإيطالي، وتضم مدرسة وورش عمل ومهاجع وكروم عنب ومزرعة عاملة. وقد نشأت في الأصل استجابةً لأزمة انتشار الهيروين في إيطاليا. ويقول القائمون عليها إن فلسفتها تقوم على العيش والعمل داخل المجتمع مع الالتزام الصارم بالامتناع عن المخدرات والكحول، وبناء المسؤولية تدريجيًا على مدى سنوات.
لكن هذا النهج يواجه انتقادات واسعة من أطباء وباحثين وخبراء سياسات المخدرات في الولايات المتحدة. فالمجتمع الإيطالي يرفض استخدام الأدوية المثبتة علميًا، ومنها الميثادون والبوبرينورفين، وهي علاجات يعتبرها كثير من مسؤولي الصحة العامة في الولايات المتحدة وإيطاليا المعيار الذهبي لعلاج الاعتماد على الأفيونات والكحول.
وقال الدكتور روبرت هايمر، الباحث في فعالية علاجات الإدمان بجامعة ييل، إن البرامج القائمة على الامتناع عن المخدرات تفشل مرارًا وتكرارًا، وغالبًا بسرعة. وأضاف أن محاولة الإقلاع عن الأفيونات من دون أدوية ترفع خطر الانتكاس والوفاة، لأن انخفاض التحمل ثم العودة إلى التعاطي قد يؤدي إلى جرعة زائدة قاتلة.
وفي إيطاليا، يقول مؤيدو سان باترينانو إن النموذج أقل إشكالية لأن أشكال التعاطي الأكثر شيوعًا هناك تشمل الكحول والكوكايين، بينما تواجه الولايات المتحدة أزمة أشد فتكًا بسبب الأفيونات، بما فيها الفنتانيل والهيروين ومسكنات الألم الموصوفة طبيًا، والتي تقتل عشرات الآلاف سنويًا بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
كما أشار التقرير إلى أن قيادة سان باترينانو نفسها ترى أن توسيع هذا النموذج على نطاق وطني في الولايات المتحدة سيكون «مستحيلًا» من دون مخاطر كبيرة. وقال المدير الطبي للمجتمع، الدكتور أنطونيو بوشيني، إن التجربة لا يمكن نسخها بأمان بهذا الحجم، لافتًا إلى أن محاولات التوسع في تسعينيات القرن الماضي أدت إلى سلسلة من الفضائح كادت تدمر البرنامج.
وأقرّ مسؤولو سان باترينانو أيضًا بأن تاريخ المجتمع تخللته انتهاكات ومشكلات خطيرة، من بينها احتجاز خمسة مقيمين ضد إرادتهم في التسعينيات عندما حاولوا المغادرة، إضافة إلى إدانة مؤسس المجتمع فينتشنزو موتشيولي بالمساعدة في التستر على جريمة قتل أحد المقيمين الهاربين. كما قال متحدث باسم المجتمع إن إصلاحات واسعة أُدخلت لتحسين الشفافية والسلامة، وإن البرنامج لا يزال يرفض الأدوية باعتبار أن «لا دواء يعالج المخدرات».
وفي المقابل، لم يرد كينيدي أو فريقه في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية على طلبات متكررة للتعليق أو المقابلة بشأن انتقادات الخبراء، كما لم يتضح ما إذا كان قد زار سان باترينانو أو تحدث إلى أي من موظفيها قبل تقديمه كنموذج للولايات المتحدة.
وتأتي هذه السجالات في وقت يواصل فيه كينيدي الدفع بأفكار واسعة لإعادة تشكيل رعاية الصحة والإدمان في الولايات المتحدة، بينها مبادرة «Great American Recovery Initiative» التي أعلنت عنها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية باستثمار قدره 100 مليون دولار.
التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!