لندن — خلص رئيس تحقيق عام في بريطانيا إلى أن هجوم الطعن الذي قتل ثلاث فتيات صغيرات في ساوثبورت شمال غربي إنجلترا كان «يمكن، وكان ينبغي، أن يُمنع».
وقُتلت بِيبي كينغ، البالغة 6 سنوات، وإلسي دوت ستانبكومب، البالغة 7 سنوات، وأليس دا سيلفا أغيار، البالغة 9 سنوات، في 29 يوليو/تموز 2024، عندما نفذ أكسل روداكوبانا، وكان عمره 17 عامًا، هجومًا بسكين خلال فعالية رقص مستوحاة من تايلور سويفت في بلدة ساوثبورت.
وأصيب عشرة أشخاص آخرين في الهجوم، فيما لا يزال 16 شخصًا إضافيًا، كثير منهم أطفال، يعيشون مع صدمة نفسية شديدة.
وجاء التحقيق بعد نحو عامين من الهجوم، واستمع إلى الأدلة على مدى تسعة أسابيع، بهدف معرفة كيف تمكن روداكوبانا، الذي كانت تعرفه عدة جهات عامة من بينها الشرطة والخدمات الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية، من تنفيذ الهجوم.
وقال السير أدريان فولفورد في تقريره المنشور يوم الاثنين إن مسار المتهم نحو العنف الشديد كان «مُشارًا إليه مرارًا وبوضوح»، لكن الجهات المعنية أخفقت في التحرك «بالتماسك أو الإلحاح أو الوضوح المطلوب». وأضاف أن المؤسسات كانت «تُمرر الخطر إلى الآخرين وتُقلص أو تُخفض من مستوى تدخلها»، معتبرًا أن هذا الفشل كان في صميم تمكن روداكوبانا من تنفيذ الهجوم رغم كثرة مؤشرات التحذير.
وقال فولفورد إن هذا الهجوم «كان يمكن — وكان ينبغي — منعه».
وفي اليوم التالي للهجوم، ومع انتشار شائعات كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضخيمها من قبل شخصيات من اليمين المتطرف، بأن روداكوبانا مسلم وأنه دخل بريطانيا عبر عبور القنال الإنجليزي على متن قارب صغير، اندلعت أعمال شغب عنيفة في مدن عدة عبر البلاد. واستمرت أعمال الشغب المناهضة للهجرة ستة أيام، وشملت اعتداءات عنصرية وحرائق ونهبًا، بينما أصبحت ساوثبورت رمزًا للتوترات المرتبطة بالهجرة والاندماج والهوية الوطنية في بريطانيا.
وبحلول يوليو/تموز 2025، وبعد عام من الاضطرابات، كانت الشرطة قد نفذت 1840 عملية اعتقال، ووجهت أكثر من 1100 تهمة.
وأشار التحقيق إلى أن روداكوبانا، المولود في كارديف في ويلز لأبوين روانديين، كان على تواصل متكرر مع السلطات منذ عام 2019. وقد أُحيل عدة مرات إلى برنامج «بريفنت» البريطاني لمكافحة التطرف، بعد مخاوف من هوسه بالعنف، بما في ذلك إطلاق النار في المدارس والهجمات الجماعية.
لكن التحقيق وجد غموضًا بشأن ما إذا كان ينبغي لبرنامج «بريفنت» التعامل مع أشخاص مثله، ممن لديهم افتتان بالعنف من دون أيديولوجيا ثابتة، وخلص إلى أن عدم اتخاذ مزيد من الإجراءات في حالته كان «القرار الخاطئ ببساطة».
ومن أبرز أوجه الإخفاق أن روداكوبانا كان تحت رعاية خدمات الصحة النفسية للأطفال والمراهقين لمدة خمس سنوات، لكن تقريرًا نُشر قبل ستة أيام من القتل خلص إلى أنه لا يشكل «خطرًا على الآخرين».
كما انتقد التحقيق الفشل المتكرر في تبادل المعلومات بين الجهات الحكومية، إذ كانت تفاصيل المخاطر «تضيع أو تُخفف مع مرور الوقت» داخل المؤسسات وبينها، ما أدى إلى التقليل من مؤشرات التصعيد وإضاعة فرص التدخل.
ولم يسلم التقرير من انتقاد أسرة المتهم، إذ قال إنها «خلقت عوائق كبيرة أمام التواصل البنّاء» مع السلطات. وكتب فولفورد أنه لو تم إبلاغ السلطات بـ«النطاق الكامل» لمخاوف الأسرة، بما في ذلك في الأيام التي سبقت الهجوم مباشرة، «فمن شبه المؤكد أن هذه المأساة كانت ستُمنع».
ويذكر التحقيق نمطًا من سلوك الوالدين تمثل في التقليل من تصرفات ابنهما أو الدفاع عنها، بما في ذلك حوادث أحضر فيها سكينًا إلى المدرسة عدة مرات، وارتكب هجومًا عنيفًا باستخدام عصا هوكي. كما أشار إلى إخفاقات في مراقبة نشاطه على الإنترنت، حيث استمر اهتمامه بالعنف في التصاعد.
ومن بين المواد التي عُثر عليها لاحقًا على أجهزته دليل تدريبي لتنظيم القاعدة، ومواد معادية للمسلمين ومعادية للسامية، ووثائق عن صراعات متعددة، بينها الإبادة الجماعية في رواندا.
ويقضي روداكوبانا حاليًا 15 شهرًا من حكم بالسجن لا يقل عن 52 عامًا، بعد اعترافه بالذنب في ثلاث تهم قتل، و10 تهم شروع في القتل، وجرائم مرتبطة بالإرهاب.
وأثار الملف أسئلة ملحة حول كيفية تعامل السلطات مع أشخاص يشكلون خطرًا على السلامة العامة لكنهم لم يرتكبوا بعد جريمة تتيح توقيفهم. ومن المتوقع أن يكون توسيع صلاحيات الدولة للتدخل المبكر محورًا رئيسيًا في المرحلة الثانية من التحقيق، التي ستبحث لماذا ينجذب عدد متزايد من الشباب إلى العنف المتطرف من دون إطار أيديولوجي واضح.
وقال ديفيد أندرسون، مفوض برنامج «بريفنت» المستقل في بريطانيا، إن طبيعة التهديد تتغير، خصوصًا بين الفئات الأصغر سنًا. وأضاف أن ما كان يُحال سابقًا إلى البرنامج كان في الغالب من الإسلاميين وبعض المتطرفين اليمينيين، لكن ما يُرى الآن بشكل متزايد، خصوصًا بين الأصغر سنًا، هو أشخاص استوعبوا كثيرًا من الأفكار المتطرفة عبر الإنترنت. وقال إنهم «لا يتبعون بالضرورة أي أيديولوجيا أو نظرية مؤامرة بعينها، لكن لديهم افتتان بالعنف وإطلاق النار في المدارس والمجازر، أيا كان مرتكبها».

التعليقات (0)
أضف تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!